حسنين هيكل بلغ الـ90 عاماً
حسنين هيكل بلغ الـ90 عاماً

عبدالباري عطوان - نقلاً عن جريدة السفير اللبنانية

 
التقيت الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل للمرة الاولى في شهر نيسان العام 1989 لأطلعه على العدد صفر من صحيفة «القدس العربي» التي كنت مكلفاً بإصدارها ورئاسة تحريرها. الاستاذ هيكل قلب العدد الهزيل المليء ببعض الأخطاء الفنية، وقال بنزقه المحبب: «اين الانتفاضة، انا لا اراها في هذه الصحيفة، أراها صحيفة عادية مثل كل الصحـف الاخرى»، في ذلك الوقت كانت الانتفاضة الفلسطينية الاولى في ذروتها.
خرجت من مكتبه مكسور الخاطر، فقد كنت اعتقد انني احمل بيدي عددا يضاهي صحيفة «النيويورك تايمز» او «الغارديان» تماشياً مع المثل المصري المعروف «القرد بعين امه غزال»، ولكن الاستاذ كان له رأي آخر لا يتردد في قوله. الآن وبعد ربع قرن من الصدور، وعندما اعود الى الاعداد الاولى من الصحيفة أفاجأ بتواضعها، على المستويين الفني والمهني، وأقول في نفسي كم كان رأي هذا الصحافي الكبير صادقاً ومنصفاً، رغم كونه صادماً في صراحته، الجارحة لكبريائي في حينها، فهذا هو الاستاذ في آرائه ومواقفه السياسية والصحافية، لا يجامل مطلقاً، ولا يحيد عما يعتقد انه عين الصواب، ولهذا أحببناه وتابعنا كتاباته ومقابلاته التلفزيونية، وإن اختلف بعضنا معه.
لقاءاتي مع الاستاذ هيكل تواصلت في لندن بعد ذلك، لأن النظام السابق وضعني على قوائمه السوداء لأكثر من 18 عاما، وعندما عدت الى القاهرة مطلع حزيران الماضي أردت زيارته ولكن الدكتور خير الدين حسيب، الصديق المشترك، ورئيس «مركز دراسات الوحدة العربية» أخبرني أنه مريض جداً، ولا يستقبل زواراً فلم أردْ إزعاجه.
الغبار البركاني الذي ضرب اوروبا العام 2010 كان نعمة بالنسبة الى الاستاذ هيكل، فقد سجنه في لندن لأكثر من عشرة ايام لتعطل حركة الطيران كلياً، ما اتاح لي وللكثيرين من محبيه فرصة ذهبية لرؤيته اكثر من مرة على حفلات غداء (لا يقبل دعوات العشاء لأنه لا يتعشى منذ أربعين عاماً) والاستمتاع بحواراته وعمق تحليلاته لساعات، وتأخر صدور صحيفتنا أكثر من مرة بسبب ذلك لأن موعد طباعتنا مبكر بالمقارنة مع الصحف العربية الاخرى لأننا نطبع في مطبعة تجارية متزمتة في مواعيدها.
في تلك اللقاءات التي كان يشارك فيها نخبة من الكتاب والمفكرين والصحافيين وبعض المسؤولين، ويتسابق الكثيرون لاستضافتها، وتتحول الى ندوة سياسية فكرية راقية في جميع الاحيان، يتألق الاستاذ هيكل ويكون محور النقاش، يستمع بدهاء لجميع الآراء، ثم بعد ذلك يدلو بدلوه وتكون له كلمة الفصل.
في احدى هذه الندوات، وكانت في منزل احد المثقفين الفلسطينيين الكبار، كشف لنا الاستاذ هيكل ان نظام الرئيس مبارك يحتضر، وأن مصر تنتظر حدثاً عظيماً، فالقِدر يغلي وصبر المصريين بدأ ينفد بعد ان عمّ الفساد، وبات رأس النظام منعزلا عن جسمه وجسم مصر بأكملها، وشدد على ان المشير طنطاوي هو البديل الذي سيتولى مسؤولية قيادة سفينة مصر الى بر الامان، وأكد انه سيكون رئيساً مؤقتا لأنه رجل زاهد في الحكم، وأشار الى انه كان الحاكم الفعلي لمصر مرتين، الاولى عندما اغمي على الرئيس مبارك وهو يلقي كلمته في البرلمان، وحينها طرد جمال مبارك من المكان، والثاني عندما اجرى الرئيس مبارك عملية جراحية في المانيا.
أعترف بأنني كنت، وما زلت، تلميذاً في مدرسة الاستاذ هيكل الصحافية، فقد تعلمت منه الكثير، خاصة توثيق الحقائق والمعلومات، بدقة متناهية في المقالات السياسية، والنظرة الى الاحداث من زاوية شمولية، ودعم التحليل السياسي بالمنهاج الاكاديمي، وسرت على دربه في تأليف الكتب باللغة الانكليزية ثم ترجمتها بعد ذلك الى اللغات الاجنبية الاخرى وعلى رأسها اللغة العربية الأم طبعاً.
لا اعرف ما اذا كنت سأعيش الى التسعين مثله، اطال الله في عمره، ولكن الشيء الوحيد الذي انا متأكد منه انني لن اكون في لياقته الفكرية والمعرفية وتركيزه الرائع الذي يدهشنا يوماً بعد يوم، عند ظهوره على شاشات التلفزة التي يختارها بعناية.
الاستاذ هيكل كان كبيراً في زمن الكبار، وساهم بالدور الاكبر في صياغة حقبة تاريخية من اعظم حقبات الامة وأكثرها حراكاً سياسياً وعسكرياً واجتماعياً. حقبة كانت واعدة بالنهضة والعطاء في شتى المجالات، وربما يكون الوحيد الذي بقي شاهدا على وقائعها، بعد ان ارخ لها تفاصيلها في العديد من كتبه القيمة. وللمرة الثانية أقول أطال الله في عمره، وأتمنى أن يطول به العمر لكي يرى مصر العظيمة تسترد دورها الريادي القيادي في المنطقة والعالم بأسره مثلما كانت عليه الحال بعد ثورة يوليو المجيدة.
 

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.