الكاتب والإعلامي الفلسطيني عبد الباري عطوان
الكاتب والإعلامي الفلسطيني عبد الباري عطوان

تحت عنوان "أتمنى أن لا يخلع المشير السيسي بدلته العسكرية.. والبلبلة حول مسألة ترشيحه للرئاسة تطرح تساؤلات لا تخدم استقرار مصر"، كتب رئيس تحرير صحيفة "رأي اليوم" الإلكترونية عبد الباري عطوان:

لا نفهم هذا التضارب في المعلومات والمواقف حول مسألة ترشح المشير عبد الفتاح السيسي قائد الجيش، والرجل "الاقوى" في مصر في انتخابات الرئاسة المقبلة، فالرجل ترقى إلى الرتبة الأعلى في الجيش، وحصل على تفويض من القوات المسلحة وقادتها، ويحظى بشعبية ضخمة تدعمها آلة إعلامية جبارة، فليحزم أمره ويتوكل، أو يعلن في خطاب عام بقاءه في الجيش، ويترك المجال للآخرين المدنيين واضعاً حداً للبلبلة والتكهنات.
صحيفة السياسة الكويتية قالت الأربعاء أن المشير السيسي "سيلبي طلب الشعب" ويترشح للانتخابات التي ستجرى في شهر نيسان على أكثر تقدير، ونقلت عن المشير السيسي في مقابلة أجرتها معه قوله "لقد حسم الأمر، وليس أمامي إلا تلبية طلب شعب مصر، وهو أمر سمعه القاصي والداني، ولن أرفض طلبه وساتقدم لهذا الشعب بتجديد الثقة عبر التصويت الحر".
كلام في منتهى الوضوح، ويؤكد ما هو مؤكد حتى الآن، لكن المؤسسة العسكرية (الجيش) قالت في بيان رسمي "ان ما نشرته جريدة السياسة الكويتية مجرد اجتهادات صحافية وليست تصريحات مباشرة من المشير السيسي، وتم تحميلها بعبارات او الفاظ غير دقيقة، خاصة بعد نقلها في مختلف وسائل الإعلام".
هذا النفي "غير المفهوم" والذي يعكس غموضا مربكا، يمكن النظر إليه من خلال ثلاث زوايا:
*الاولى: أن تكون مؤسسة الجيش منقسمة حول مسالة الترشيح هذه، وأن اتصالات ما زالت مستمرة في الغرف المغلقة لإيجاد تسوية لهذه المسألة ووضع حد للانقسام.
*الثانية: أن يكون هناك خلاف حول شخص خليفة المشير السيسي في رئاسة الجيش، ووزارة الدفاع بالتالي، خاصة أن الدستور الجديد نص صراحة على ان اختيار وزير الدفاع حق شرعي للجيش وقادته.
*الثالثة: أن يكون المشير السيسي نفسه مترددا في خوض انتخابات الرئاسة، ويفضل البقاء في الجيش، ليس فقط لصعوبة المهمة، وانما ايضا خوفا من تأكيد الانطباع الذي يقول ان ما قام به يوم الثالث من تموز (يوليو) هو انقلاب وليس ثورة شعبية، وقد أكد لي الأستاذ محمد حسنين هيكل عندما التقيته في بيروت في أوائل كانون الأول الماضي أن "الفريق أول عبد الفتاح السيسي اكد له انه لن يخلع البدلة العسكرية اثناء لقائه به قبل ثلاثة ايام من وصوله الى بيروت، واكد ان مدة اللقاء امتدت لثلاث ساعات.
الاحتمالات الثلاثة غير مستبعدة، ولا نميل لتفضيل اي واحد منها على الآخر، فالطريق ممهد للمشير السيسي للتربع على كرسي العرش في مصر اذا اراد، ولا توجد امامه اية عقبات، فهو الحاكم الفعلي للبلاد منذ تموز (يوليو) الماضي، والباقي "واجهات" بما في ذلك رئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور.

***

سمعت باسم "الفريق اول" عبد الفتاح السيسي للمرة الاولى بعد انتخاب الرئيس محمد مرسي ببضعة ايام، حيث اتصل بي احد الاصدقاء من المقربين جدا لحركة "الاخوان المسلمين" وقال لي افتح التلفزيون ستسمع خبرا مهما، واحفظ اسم الرجل جيدا ففعلت فورا، وشاهدت الفريق السيسي يؤدي اليمين الدستورية اما الرئيس مرسي قائدا للجيش.
الصديق نفسه قال لي بالحرف الواحد "لقد حكمنا واصبح الجيش المصري تحت امرتنا.. هذا هو المسار الاخير في نعش حكم مبارك.. المشير طنطاوي.. والفريق سامي عنان.. في ذمة التاريخ.. لقد انتهى حكم العسكر، وبدأ حكم الاخوان فعليا".
حركة الاخوان المسلمين، ومرشدها العام، ورئيسها المنتخب محمد مرسي، ارتكبوا اخطاء عديدة، لكن الخطأ الاكبر هو اعتقادهم بأن الفريق السيسي، سيكون خاتما في اصبعهم، لانه يصلي ويصوم ويؤدي الفروض في اوقاتها، ولكن غاب عن ذهن صاحب القرار في الحركة ان الغالبية الساحقة من سكان مصر يؤدون الفروض والتقوى لا تعني "الاخونة"، والا لكان يونس مخيون زعيم حزب النور السلفي هو الحليف الاول للاخوان المسلمين، وليس اكثر المصريين حماسا للانقلاب العسكري وتولي المشير مرسي رئاسة الجمهورية مثلما هو حاصل حاليا.
بعد ستة اشهر من الاطاحة بالرئيس محمد مرسي يمكن القول ان مصر تعيش في "مناخ ازمة" لم يحجبه "هيستيريا" المشير السيسي، والتفاف قطاع عريض من الشعب حوله لاسباب عديدة ابرزها كونه "المخلص" من حكم الاخوان المسلمين في نظر هؤلاء، ولعب الاعلام دورا كبيرا في تكريس هذه الصورة، مثلما لعب دورا اخطر في تعميق اجواء الازمة بالتالي.
الشعب المصري سريع الغضب، وسريع الرضا، وطيب القلب، علاوة على كونه عاطفي مثل كل الشعوب العربية الاخرى، عاطفي في معظم خياراته، ولا بد ان المشير يعرف صفات شعبه جيدا، وهذا ما يدفعه دائما الى الاعتراف بصعوبة مهمة تولي القيادة في هذا الظرف الحرج.
ازمة مصر الحالية تتمثل في حال الانقسام السياسي والمجتمعي، وهي "ام الازمات" كلها، وتتفرع منها كل المشاكل والازمات الاخرى وعلى رأسها الازمة الاقتصادية الطاحنة، وفي ظل حالة "العناد" التي نراها من جانب القوات المسلحة من حيث عدم في بذل جهود اكبر لتحقيق المصالحة الوطنية عبر حوار معمق مع الآخر "المُقصى" بضم الميم، وفتح الصاء، اي الاخوان، سيظل المستقبل غامضا، فمثلما لا توجد غير الحلول السياسية للازمة السورية، ليس بديل عنها ايضا في مصر لرسوها على بر الامان.

***

مصر استعادت كرامتها وحريتها من خلال ثورة يناير المجيدة، ولكنها فقدت هيبتها، واختلت بوصلتها، واهتزت هويتها، بعد "الثورة" الثانية في حزيران (يونيو)، ومن يقول غير ذلك يحجب الشمس بغربال مثلما يقول المثل المصري الشهير.
التحدي الاقتصادي لمصر معروف، وكتبت فيه المعلقات، لكن التحدي الاخطر، والمرتبط عضويا بالتحدي الاول (الاقتصادي) هو التحدي الامني، وقد يكون العنف والارهاب في سيناء هو احد فصوله، لكن الخطر الاكبر هو القادم من الغرب، من ليبيا على وجه الخصوص، فعندما ترضخ السلطات المصرية وجيشها لميليشيا مسلحة، وتفرج فورا، وبطريقة مهنية عن "ابو عبيدة الزاوي" رئيس غرفة عمليات طرابلس بعد اقتحام سفارتها وخطف خمسة دبلوماسيين كرد مباشر، هنا الامر يستحق الكثير من المراجعة للاولويات الامنية قبل الاقتصادية، او الاثنين معا وبالتوازي.
المشير السيسي، رئيس مصر المقبل حسب كل التوقعات، يجب ان يدرك ان مصر ليست جزيرة منعزلة عن محيطها العربي، وهذا المحيط ليس دول الخليج فقط، وانما هناك ليبيا وفلسطين والاقصى وكامب ديفيد، وخطر كبير اسمه اسرائيل ايضا، وهذه الكلمات "المفتاح" هي التي جعلت من "قدوته" جمال عبد الناصر بطلا عربيا وعالميا.
عندما يصحح المشير السيسي عقارب بوصلته باتجاه فلسطين وكل العرب الآخرين، ويركز على اولويات الامن القومي المصري، ويبدأ في ترتيب جبهته الداخلية بالحوار والمصالحة والتخلي عن العناد، يمكن القول ان مصر تسير في الاتجاه الصحيح، سواء كان رئيسا او قائدا للجيش.
اتمنى في نهاية المطاف ان لا يخلع المشير السيسي بدلته العسكرية، وان يقود البلاد من موقعه الى الديمقراطية الحقيقية، والدولة المدنية، لا دولة القمع ومصادرة الحريات، والقضاء غير العادل، وهذا رأي شخصي لا اتردد في قوله وان اختلف معي الكثيرون.
الجيش المصري يجب ان يظل فوق الجميع، وان يتمسك بدوره في حماية الامن القومي لمصر والعرب وجمعيا.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.