ترجمة هنا سورية - فادي مفرّج

الشهادة في معلولا لا تزال تمارس على أرض القداسة
الشهادة في معلولا لا تزال تمارس على أرض القداسة

الطريق إلى معلولا محفوف بالمخاطر. لا يمكنك أن ترى سيارة واحدة لعدة كيلومترات على الطريق السريع. تقع معلولا المدينة المسيحية الصغيرة حوالي 60 كيلومتراً إلى الشمال من العاصمة السورية دمشق. يمكنك ان ترى السيارات بعد وقت قصير من مغادرتها ضواحي دمشق بشكل متقطع ، ومعظمها تابعة للقوات العسكرية أو الأمنية السورية.

على الطريق تقع بلدة عدرا. حيث يرتفع عمودان ضخمان من الدخان في الأفق . عدرا، تلك المدينة الصناعية، وجدت نفسها في حالة حرب منذ بضعة أيام. الإرهابيين هاجموا المدينة وسيطروا على أجزاء منها. حيث ارتكب المهاجمون الاسلاميون مجزرة ضد كل من يناصر "الدولة" بدءاً من المعلمين، وموظفي الخدمة المدنية إلى الجنود وضباط الشرطة وحتى العاملين في المخابز الكبيرة المملوكة من قبل الدولة كلهم تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب والقتل الوحشي.

على مشارف معلولا وضع الجيش السوري كتلاً خرسانية على الطريق. وهناك يقع بيت أبو محمد الذي يبلغ 60 عاماً و يعيش مع عائلته . "الحمد لله انهم هنا" يقول أبو محمد شاكراً وجود جنود الجيش السوري اللذين يسمح لهم باستخدام حمامه.
لم يبقى في معلولا أحد من سكانها ، هناك فقط المقاتلين الاسلاميين ووحدات من الجيش السوري تقاتل في بلدة مجاورة، حيث تم اجلاء المدنيين من قبل الجيش. أبو محمد سعيد لانه تمكن من البقاء في منزله كما يقول، لكن شاحنته القديمة لم تعد في مكان وقوف السيارات،فقد حلت مكانها دبابة تابعة للجيش السوري. في هذه الأثناء تحمل الرياح صوت نيران المدافع الرشاشة وهي تدوي في مختلف أنحاء معلولا.
تعتبر معلولا جوهرة تاريخية وثقافية سورية. كانت تعج بالحافلات التي تقل السائحين الذين قدموا إليها لزيارة أديرتها القديمة قبل اندلاع الحرب في عام 2011. معلولا بلدة صغيرة معروفة في جميع أنحاء العالم لأن أهلها ما زالوا يتكلمون الآرامية، لغة السيد المسيح. وفيها تأسست واحدة من أولى الجماعات المسيحية في العالم حيث تخوي واحدة من أقدم الكنائس في العالم . لكن الإرهابين المتطرفين اقتحموا معلولا للمرة الثانية في بداية شهر أيلول من العام الماضي2013.و دمروا بعض المباني التاريخية، وقتلوا عشرات المدنيين واختطفوا اثني عشر راهبة من دير مار تقلا للروم الارثوذكس كرهائن. ولغاية الآن لا تزال أماكن وجودهم غير معروفة.

كان الجو متوتراً في معلولا بالفعل. في صيف عام 2012 حاول المقاتلون المتشددون أن يقتحموا دمشق كجزء من عملية " بركان دمشق " ، والتي فشلت فشلاً ذريعاً بعد حوالي خمسة أيام. لكن القتال لم يكن قد وصل لمعلولا بعد . فقد كان الحجاج من المدن السورية الأخرى يزورون الدير القديم الذي تشتهر به معلولا. يحضرون القداس و يضيئون الشموع لذويهم القتلى و لم يكن هناك وجود عسكري كبير في تلك القرية الجبلية الصغيرة . وكان سكان معلولا يرفضون وجود أية قوة عسكرية كبيرة لانهم لا يريدون الانجرار إلى القتال.
لكن القرار السلمي الذي اتخذه سكان معلولا لم يجنبهم ويلات القتال . ففي 5 أيلول2013 ، قامت مجموعة إرهابية متشددة بالهجوم على معلولا . حيث داهمت الكنائس الأرثوذكسية ، وأحرقت الرموز الدينية وكسرت الصليب من أسفل قبة دير القديس سيرجيوس وباخوس التاريخي. وانتشرت القناصة في دير مار تقلا . وفي حين تمكن العديد من المدنيين من الفرار إلى دمشق ؛ وجد آخرون أنفسهم رهائن من المهاجمين المتشددين.

تلك الحادثة المفجعة تركت ذكريات مؤلمة لدى سكان معلولا ، إذ قال شاهد عيان لصحيفة لبنانية يومية " أطلقوا النار على الناس سمعت طلقات نارية ثم رأيت ثلاث جثث في منتصف شارع ... لقد فر العديد من القرية لأسباب تتعلق بالسلامة . معلولا الآن مدينة أشباح ". وفي مقابلة مع قناة بي بي سي ، تقول شاهدة عيان أخرى وهي مسيحية من معلولا أن الذين تمكنوا من الفرار إلى دمشق " كان عليهم أن يتركوا وراءهم كل ما لديهم الممتلكات عندما سار مقاتلو الجيش السوري الحر الذين يغطون وجوههم في القرية. لقد ترك الناس كل شيء وراءهم ، لم يتمكنوا حتى من أخذ أموالهم " ، وقد حمّلت هذه الشاهدة الرئيس الأمريكي باراك أوباما و حلفاء الولايات المتحدة مسؤولية الهجوم الوحشي الذي ضرب معلولا لأنهم سلحوا المتشددين الذين جلبوا الموت والدمار إلى بلدتها . وأضافت قائلة " يجب على أوباما أن يتوقف عن تزويد هؤلاء المتشددين بالأسلحة لأنهم سوف يقتلوننا ".

الهجوم على معلولا أذهل العديد من الدوائر المسيحية في الغرب. لكن في الحقيقة فإن نفس الميليشيات الاسلامية التي يدعمها الغرب تعرضت لانتقادات لاذعة من الحكومات الأوروبية. أعلن متحدث باسم ما يسمى " الجيش السوري الحر " (FSA ) في منتصف سبتمبر ان الميليشيات ستنسحب من معلولا . لكن في الواقع فإن الإرهابيين ، الذين يعملون تحت اسم الجيش الحر أنشئوا قاعدة عسكرية في معلولا . وفي الوقت نفسه في دمشق ، حضر عدة آلاف من السوريين جنازة ثلاثة شباب سوريين مسيحين قتلوا على يد الإرهابيين الإسلاميين في معلولا . بعد مفاوضات مطولة مع قادة الإرهابيين المتشددين الذين احتلوا معلولا ، أعيدت ثلاث جثث تعود لمسيحيين قتلوا في 7 أيلول في معلولا عن طريق دفع فدية.
إن ادعاء "الجيش الحر" انسحابه من معلولا كان جزءا من حملة تضليل تهدف إلى " تهدئة " الغرب.
تقول آسيا نيوز إحدى المسيحيات التي فروت من معلولا في أيلول 2013 أن " الجيش الحر لم ينسحب من معلولا وأن ادعائه بذلك ليس صحيحاً بل هو مجرد دعاية إعلامية " وأكدت آسيا نيوز في رسالة وجهتها إلى الكونغرس الأميركي منددة بجرائم المتشددين ضد السكان المدنيين والكنائس والأديرة في معلولا أن" مقاتلين من الجيش السوري الحر ، و الإرهابيين من جبهة النصرة و القتلة من دولة العراق الإسلامية و بلاد الشام هاجموا منطقة معلولا الرابعة صباحاً وخلال ساعات دمروا البيوت والأديرة . والكنائس ، ونهبوا كل المقدسات المسيحية وأمروا الناس بالتخلي عن عقيدتهم و اعتناق الإسلام إذا أرادوا البقاء على قيد الحياة " .

معلولا كانت من جديد على موعد من الإرهاب والعنف في أوائل ديسمبر كانون الاول 2013. وفقاً لوكالة سانا السورية الرسمية فقد اقتحم المتشددون خلال هذه الفترة دير مار تقلا الأرثوذكسي في وسط المدينة و اختطفوا اثني عشر راهبة سورية ولبنانية . ونقلت إذاعة الفاتيكان عن ممثل الكرسي الرسولي في سورية ، المونسنيور ماريو زيناري أن أماكن وجودهم غير معروفة . ردة فعل الغرب غلى ما حصل في معلولا كان محدوداً وهذا لا يمثل مفاجأة للسوريين . يقول أحد المسيحين من صيدنايا التي تعتبر بدورها موقع حج مسيحياً " لقد نسينا الغرب و خاننا أيضاً " . ولكن الوضع في صيدنايا يختلف كلياً عن معلولا إذ أن السكان سلحوا أنفسهم ، ونظمت لجنة محلية للدفاع عن صيدنايا. والهجمات التي يشنها المقاتلون الإسلاميون حتى الآن صدت بنجاح مراراً وتكراراً. ومع ذلك فقد قصفت البلدة مرات عديدة من قبل الإرهابيين المختبئين في الجبال. ورغم ذلك لم تتطرق وسائل الإعلام الغربية لأحوال المدنيين الذين قتلوا هناك . ولكن حتى في صيدنايا تعود الناس على ذلك . يقول أحد سكان صيدنايا الذين التقيناهم "إننا لانتوقع شيئاً من الغرب ".

لا تزال هناك معركة تدور رحاها في معلولا . يقول العقيد ايزاد من الجيش السوري وهو يراقب معلولا من خلال منظاره مشيراً إلى نقطة بعيدة وراء التلة . تسمع قعقعة الرشاشات مرة أخرى و مرة أخرى، ثم يظهر الدخان من عدة مبان أمامه . يدل العقيد على سيارة جيب تشق طريقها من خلال معلولا قائلاً " هؤلاء هم الارهابيون" ، ثم يعطي أمراً بالهجوم . بعد بضع ثوان يرتفع عمود دخان من بعيد من مكان السيارة التي تحولت إلى بقايا جراء استهدافها.
في25 ديسمبر 2013 ، احتفل المسيحيون بعيد الميلاد في حين أن الجنود في معلولا كانوا على أهبة الاستعداد تحسباً لأي هجوم محتمل. بين الجنود السوريين مسيحيون. كيف يحتفلون بعيد الميلاد ؟ ملازم الشباب يبتسم بمرارة ويقول: " عندما ننصر في الحرب سنحتفل بعيد الميلاد ، ولكن ليس قبل ذلك " .

حتى خلال عطلة عيد الميلاد فقد استمر القتال في معلولا. وذكرت صحيفة الأخبار اللبنانية في أوائل يناير 2014 أن الكنوز الأثرية المسروقة من معلولا يجري تداولها على شبكة الإنترنت من قبل الاسلاميين . وترافق ذلك مع سعى ممثلي الجماعات الإسلامية المتطرفة لبيع ما تم نهبه للمشترين الغربيين المهتمين بروائع الفن المسيحي. منذ بداية الحرب في سورية منذ ما يقرب من ثلاث سنوات تتعرض الأيقونات، والصلبان والأدوات الأخرى الكنسية لحملة سرقة ونهب ممنهج لتعرض فيما بعد في أسواق الفن والتحف الدولية. المتاحف في جميع أنحاء العالم قد هيأت الآن "القائمة الحمراء" للآثار المسيحية المسروقة من سورية.

العقيد ايزاد على بينة من الخطر المتربص للتراث الثقافي والديني والوطني في معلولا. يؤكد أن "هذا يجعل كل شيء أكثر صعوبة بالنسبة لنا ، ما يعني أنه لا يمكن للمرء ببساطة القصف من خارج معلولا دون تعريض الكنوز التاريخية. للخطر، لذلك يقوم الجيش السوري بشن معارك أصغر ومناوشات محدودة مع المسلحين الاسلاميين لطردهم لخارج معلولا . وبحسب العقيد ايزاد تم ايقاع مئات الإرهابيين في الأسابيع والأشهر الأخيرة رغم كل التعزيزات التي تصلهم.

يؤكد أحد الضباط العاملين مع العقيد ايزاد "نأمل أن يعود المدنيين ". هذا القلق يبدو مبرراً تماماً فكثير من المسيحيين السوريين يخططون لمغادرة منازلهم دون رجعة بعد تجاربهم الصادمة . ثلث السوريين من أصل 21 مليون مواطن أصبحوا لاجئين اليوم في بلدهم . بينما فر غيرهم خارج البلاد ، بينهم لا يقل عن 450،000 مسيحي. بطريرك الكاثوليك الملكيين في الكنيسة اليونانية في دمشق "غريغوريوس الثالث لحام" لا يألو جهداً لمحاربة هجرة المسيحين التي ازدادت وتيرتها بعد مهاجمة عدة بلدات مسيحية في كانون الاول . كما دعا غريغوري المسيحيين المضطهدين للصبر والصمود في وطنهم ،مؤكداً  "نحن كمسيحيين سوف نبقى في هذه البلاد المباركة حتى لو كانت النتيجة الشهادة" .

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.