وسام إبراهيم - هنا سورية

الوصايا التسع .. إخضاع الشرق الأوسط
الوصايا التسع .. إخضاع الشرق الأوسط

مع وصول جورج بوش، الابن الأكبر لجورج هربرت بوش المعروف باسم "بوش الأب" إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في 20 كانون الثاني 2001، وضعت "لجنة رئاسية" مكونة من أربعين وزيراً وسفيراً وخبيراً على مكتبه تقريراً بشأن الشرق الأوسط وخيارات السياسة الأمريكية.

التقرير خاطب جورج بوش بـ "لا تفعل ذلك، وافعل ذاك ، وتنبّه هنا" محذراً رجل الأعمال النفطي من الخلط بين "نطاقين استراتيجين" في الشرق الأوسط، فالخليج وما حوله شيء وفلسطين وما حولها شيء آخر.

اللجنة وفي توصيتها الأولى أكدت على أهمية التحالف الاستراتيجي غير المكتوب مع إسرائيل، واستغلال الدول العربية المعتدلة "مصر، الأردن، المغرب والسعودية" لإبقاء عملية التسوية مفتوحة طوال الوقت، وفي التوصية ذاتها توجيه للرئيس الأمريكي أنه "عليك أن تواجه المعارضين لسياستنا الحاليين والمحتملين بسياسة رادعة ، وهنا فعليك أن تتأكد أن سورية - تحت قيادة بشار الأسد – تدرك أن تشجيعها لعمليات حزب الله سوف تستثير ردود فعل ضرورية تعرّض سورية لضربات إسرائيلية موجعة"، مضافاً إلى ذلك في التوصية الرابعة "عليك أن تهتم بمثلث سورية – لبنان- إسرائيل، و تشجيع عملية تغيير في سورية ولبنان تفتح لك الباب لمفاوضات قد ترى أنك تستطيع توجيهها".

وحددت هذه التوصية الوسائل لبلوغ الهدف المذكور منها:

- عليك تقوية إمكانيات الردع الإسرائيلي لضمان تحجيم قدرات حزب الله.

- من الضرورة أن تدرك سورية - نقلاً عنك مباشرة – أنها ستصاب بأضرار جسيمة إذا سمحت بتحويل مواقع الحدود الإسرائيلية – اللبنانية إلى منطقة عمليات عسكرية.

- لا بد للبنان أن يعرف أنك تربط بين أي مساعدات أو استثمارات لإعادة إعماره بشرط انتشار الجيش اللبناني على الحدود مع إسرائيل والبدء في نفس الوقت بنزع سلاح حزب الله.

- جرّب إذا كان في مقدور الرئيس السوري بشار الأسد أن يقوم بتحسين علاقاته مع الولايات المتحدة

- عليك أن تتحرك بنشاط أكثر في لبنان وذلك عن طريق تشجيع مطالبة اللبنانيين بحرية أكبر، وذلك لفك القبضة السورية عن الشؤون اللبنانية.

- لا تقدم مساعداتك للجيش اللبناني .. وجّه مساعداتك إلى دعم النواحي الإنسانية.

تسع وصايا وجهتها اللجنة لنصح الرئيس الجمهوري من ضمنها الاستعداد لتوجيه ضربة عسكرية للعراق في حال أعادت بناء ترسانتها العسكرية، وردع إيران عن امتلاك أسلحة متقدمة، وتشجيع التغيير في كلا البلدين، كذلك تشجيع تركيا على القيام "بدور رئيسي في المنطقة مع إفهامها بطريقة واضحة أنها لا تستطيع أن تمارس هذا الدور إلا بالتعاون مع إسرائيل"، كما طلبت اللجنة التركيز على السلطة الفلسطينية وتحدثت عن "عصر ما بعد عرفات"، ربما يكون ذلك من أعراض اغتياله فيما بعد!!.

لم يكد ينشف حبر الوصايا حتى خُطفت أربع طائرات مدنية من مطار بوسطن في الحادي عشر من أيلول، اثنان منهم استهدفا برجي التجارة في نيويورك وثالثة ضربت المعقل العسكري "البنتاغون" في واشنطن، في حين فشلت الرابعة في بلوغ هدفها، وهو ما اعتبره بوش بعد ابتلاعه الصدمة "إعلان حرب على أمريكا".

قبل أن ينقشع غبار الهجوم وُجّهت التهمة لـ"القاعدة" وزعيمها بن لادن، المتحصن في جبال "طورا بورا" الأفغانية، "الحرب على الإرهاب" أصبحت عنوان السياسة الأمريكية اللاحقة، احتلت أفغانستان .. لايكفي! الضربة التالية للعراق فهو يملك أسلحة دمار شامل .. سقطت بغداد .. لم يُعثر على شيء لا أسلحة دمار شامل ولا أخرى يتجاوز مداها ما هو ممنوع على العراق.

11 أيلول أعطت واشنطن الذريعة لتنفيذ الوصايا التسع، سقطت بغداد، أعلن بوش من على ظهر بارجة حربية أن "المهمة أنجزت"، كولن باول صرح أنه أبلغ الرئيس الأسد كلاماً مفاده "تستطيع أن تكون جزءاً من مستقبل إيجابي أو أن تبقى في الماضي مع السياسات التي تتبعها .. الخيار لك".

جورج بوش وكوندليزا رايس رددوا عبارة مشهورة في خطاباتهم "سورية تعلم مايجب عليها أن تفعل"، إملاءات كولن باول للرئيس الأسد في زيارته لدمشق 2 أيار 2003 .. لم يقبل الأسد، بعد خمسة أشهر من الزيارة صدر قانون "محاسبة سورية واستعادة السيادة اللبنانية". 

على سورية أن تدفع ثمن معارضتها الغزو الأمريكي للعراق .. ليس هناك أفضل من لبنان، تقارب أمريكي – فرنسي تتوج بلقاء "النورماندي" بين بوش وشيراك أنتج القرار1559 قبل أن يتبناه مجلس الأمن الدولي في 2 أيلول 2004. يقول "فنسان نوزي" صاحب كتاب "في سرّ الرؤساء" بمقابلة تلفزيونية أن شيراك كان يعتقد بأن خروج السوريين من بيروت سيؤدي إلى سقوط "النظام السوري" من خلال العمل الأمريكي – الفرنسي المشترك ضد دمشق.

صدر القرار .. اغتيل الحريري واتهمت سورية باغتياله .. خرج الجيش السوري من لبنان، لابد من استكمال تنفيذ بنود الـ"1559"، يجب نزع سلاح حزب الله، شنت إسرائيل عدواناً على لبنان صيف 2006، نشرت صحيفة "النيويورك" حينها مقالاً قالت فيها أن العملية العسكرية قسمت إلى ثلاث مراحل حسب الأهداف:

- تدمير القدرة العسكرية لحزب الله

- تهميش وعرقنة سورية

- التحضير لضربات ضد مواقع إيران النووية

أبلغ الرئيس الأسد السيد حسن نصر الله أنه مستعد لدخول الحرب لكن الأخير طمأنه إلى أن "وضع المقاومة ممتاز" طالباً من الأسد التريث في الانخراط بالحرب، قبل صدور القرار 1701 لوقف "الأعمال العدائية" كانت "مقبرة الميركافا" الإسرائيلية بصواريخ "كورنيت" قدمتها سورية للحليف اللبناني، انتهت حرب تموز، لم يُسحق حزب الله، ولم يسقط "نظام" دمشق.

تبدّل المشهد، فكما أن ما بعد 11 أيلول ليس كما قبله ، كذلك ما بعد حرب تموز ليس كما قبلها، تقاربٌ أمريكي سوري بالوكالة "نيكولا ساركوزي"، تقارب تركي سوري، كما هو مرسوم لتركيا حسب الوصايا للعب دور في الشرق الأوسط. دمشق لم تخضع لا بالترهيب ولا بالترغيب، انتهت ولاية الرئيس الأمريكي الثانية في 20 كانون الثاني 2009، جورج بوش الذي خصص فائض ميزانية ولاية تكساس لخفض نسبة الجريمة والعنف المنزلي عندما كان حاكماً عليها، لم يبق نوعاً من العنف والإرهاب الدولي إلا ومارسه في الشرق الأوسط ، آلاف الضحايا في العراق وملايين شُرّدوا خارج موطنهم، دعمُ إسرائيل وتأمين غطاء دولي لها في عدوانها على لبنان وغزة، قتل الآلاف في أفغانستان، كل ذلك يهون أمام حرب الأمريكيين على الإرهاب!!

وصل الديمقراطيون إلى الحكم بمرشحهم الأفريقي "باراك أوباما"، ليقود حرباً ناعمة أو عن طريق وكلاء لإخضاع من بقي من الشرق الأوسط خارج السطوة الأمريكية متمثلاً بالمحور "الإيراني – السوري" ومن في صفّه، لتبدأ اللعبة من جديد، والضحايا كُثر أولهم المغفلون، وآخرهم المستضعفون في الأرض.

ليس لدى الأمريكيين أي رادع أخلاقي يمنعهم من التفكير ولو قليلاً بالنتائج الكارثية لسياساتهم، ليس في الشرق الأوسط فقط بل وفي العالم .. التاريخ القريب يشهد – ليس لأمريكا تاريخ بعيد - وأوله أن الولايات المتحدة موطن بلا تاريخ أنجبتها شركة مساهمة "فرجينيا"، نشأت على جثث أكثر من 40 مليون هندي أحمر وأكتاف ملايين العبيد الأفارقة، الذين اشتراهم التجار الوافدون إلى القارة الجديدة، وسخّروا لنقلهم مئات السفن والسماسرة.

 

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.