هاني شادي - صحيفة السفير اللبنانية

موسكو وواشنطن.. والنفط الإيراني بينهما
موسكو وواشنطن.. والنفط الإيراني بينهما

قبل، وأثناء، زيارة وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إلى موسكو (16/1) إزداد الضغط الأميركي على الكرملين لمنع صفقة روسية ــ إيرانية "محتملة" تتعلق بمقايضة النفط الإيراني بسلع روسية. ووصل الأمر إلى حد تهديد المتحدث الرسمي للبيت الأبيض جي كارني بفرض عقوبات على الشركات الروسية والإيرانية التي ستنفذ هذه الصفقة. وتتعلل واشنطن بأن مثل هذه الصفقة تتناقض مع شروط الاتفاقية الموقعة بين "السداسية" وإيران في العام الماضي. وربما تخوف الولايات المتحدة من إتمام الصفقة يرجع، بدرجة ما، إلى أنها قد تمنح طهران فرصة أكبر على المناورة أثناء المفاوضات حول برنامجها النووي مع "السداسية".
وبالرغم من نفي وزارة النفط الإيرانية ما يتردد عن صفقة "مقايضة النفط الإيراني بالمنتجات الروسية"، إلا أن تسريبات من داخل الإدارة الروسية تؤكد أن المفاوضات جارية بشأنها. كما أن تسريبات أخرى تشير إلى أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ناقشها أثناء زيارته إلى طهران في كانون الأول 2013. وتتضمن هذه الصفقة المحتملة شراء روسيا 500 ألف برميل نفط إيراني يومياً، وهو ما سيعني ارتفاع صادرات إيران النفطية بــنحو 50 في المئة وحصولها على 1,5 مليار دولار إضافية شهرياً. ومقابل ذلك ستبيع روسيا إلى إيران منتجات متنوعة (معدات وآلات وغيرها) لتشغيل المصانع والشركات الروسية. ونظراً لأن روسيا من المصدرين الرئيسيين للنفط والغاز، نرجح أن يصدر الروس النفط الإيراني مباشرة إلى دول أخرى في آسيا، على رأسها الصين.
وتبدو هذه الصفقة، برأينا، موضوعية لعدة أسباب من وجهة نظر الاقتصاد الروسي. أولاً، استمرار تراجع النمو الاقتصادي في روسيا، حيث إن المصرف المركزي الروسي قدر هذا النمو بنهاية 2013 بنحو 1,3 في المئة فقط، مقارنة بـــ 3,4 في المئة في 2012. ثانياً، التراجع النسبي لصادرات النفط الروسي في العام الماضي. وثالثاً، تراجع التبادل التجاري بين روسيا وإيران في الفترة الأخيرة. فحجم التبادل التجاري بين البلدين في العام 2012 بلغ نحو ملياري دولار بتراجع 38 في المئة عن العام 2011. كما أن الصادرات الروسية إلى إيران تراجعت بـــ 44,2 في المئة (وهي نسبة كبيرة) بين العامين 2011 و2012. رابعاً، تراجع التعاون العسكري بين روسيا وإيران بشكل ملحوظ، حيث يقدر "المركز الروسي لتجارة السلاح في العالم" خسائر روسيا من هذا التراجع في السنوات الأخيرة بحوالي 13 مليار دولار. بالطبع، العقوبات الأميركية والأوروبية أحادية الجانب أثرت في هذا المجال، حيث أوقفت العديد من المصارف والشركات الروسية تعاملاتها مع إيران خشية الوقوع تحت طائلة العقوبات المذكورة. يُضاف إلى ذلك القيود الأممية على بيع السلاح إلى إيران، التي انضمت إليها روسيا في عهد الرئيس دميتري ميدفيديف في العام 2010.
إن الأرقام المذكورة أعلاه توضح بجلاء أهمية مثل هذه الصفقة بالنسبة إلى روسيا. ولذلك من غير المستبعد، برأينا، أن تتضمن صفقة "النفط الإيراني مقابل السلع الروسية" المنتجات الحربية والعسكرية الروسية. فاحتمال توقيع عدة اتفاقيات هامة للغاية في القريب العاجل بين روسيا وإيران في مجال التعاون الاقتصادي والعسكري تظل قائمة. وقد تشمل هذه الاتفاقيات توريد نظم دفاع جوي صاروخية روسية حديثة إلى إيران من طراز "أنتاي - 2500" بدلا من صواريخ "إس ــ 300". فمن المعروف أن روسيا وإيران وقعتا في العام 2007 عقداً حول توريد صواريخ "إس ــ 300" إلى إيران بقيمة 800 مليون دولار. إلا أن هذه الصفقة ألغاها الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف في العام 2010 تحت ضغوط أميركية وإسرائيلية واستجابة لقرارات الأمم المتحدة. الأمر الذي دفع طهران في عهد الرئيس أحمدي نجاد إلى اللجوء إلى المحاكم الدولية ومطالبة موسكو بتسديد أكثر من أربع مليارات دولار كغرامات. ويبدو أن لقاء الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والإيراني حسن روحاني على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك في أيلول الماضي قد أزال هذه المشكلة وجرى الاتفاق على توريد منظومة صواريخ دفاع جوي متقدمة أكثر من تلك التي اُتفق عليها سابقاً، والتي ستكون قيمتها أكبر من قيمة الصفقة الملغاة. وبالطبع سيكون من الصعب على إيران تسديد قيمة الصفقة العسكرية الجديدة من دون مبادلة "السلع الروسية بالنفط الإيراني" في ظل العقوبات الأميركية والأوروبية.
إن درجة الانزعاج الأميركي من هذه الصفقة كبيرة، لدرجة أن وزير الخارجية الأميركي تطرق إليها في الثالث عشر من الشهر الحالي أثناء مباحثاته في باريس مع نظيره الروسي سيرغي لافروف. وتقول صحيفة "كوميرسانت" الروسية في عددها الصادر 16/1 بهذا الشأن إن لافروف أبلغ كيري "أن لروسيا الحق في شراء النفط الايراني، كما لإيران الحق في شراء السلع الروسية، لافتاً إلى أن موسكو لا تخالف بذلك العقوبات الأممية". ومن المعلوم أن روسيا تعترف فقط بعقوبات مجلس الأمن الدولي، ولا تُقر بالعقوبات الأحادية من قبل واشنطن والأوروبيين على إيران. ونعتقد أن موسكو تنطلق في هذه الصفقة من أن تنفيذ إيران للاتفاق الأخير مع "السداسية" ومواصلة المفاوضات حول ملفها النووي، سيؤدي عاجلا أم آجلا إلى تخفيف العقوبات المفروضة على إيران، تمهيداً لرفعها في نهاية المطاف. ومن هنا تحاول روسيا استباق الآخرين (الشركات الأميركية والأوروبية) للحصول على جزء من السوق الإيرانية، وتساعدها في ذلك العلاقات "المميزة" مع طهران. ولذلك نجد القيادة الروسية تكرر دائماً ضرورة التزام إيران بما يجري الاتفاق عليه حول ملفها النووي.
ويمكن القول إن إتمام هذه الصفقة "المحتملة" هو حاجة موضوعية مشتركة للروس والإيرانيين معاً، ولكنها في نهاية المطاف ستتوقف، برأينا، على الإرادة السياسية للكرملين، أي للرئيس فلاديمير بوتين. وقد تتضح هذه الإرادة عندما يزور بوتين طهران في الأسابيع القريبة المقبلة. وبالمناسبة ارتبطت زيارة وزير الخارجية الإيراني لموسكو بالإعداد لهذه الزيارة، بجانب مناقشة الملف النووي الإيراني والأزمة السورية والاستقرار في الشرق الأوسط. وفي حال تمت زيارة بوتين إلى طهران، فستكون الثانية بعد زيارته الأولى في العام 2007. ويُذكر أنه قبل العام المذكور لم يتردد على العاصمة الإيرانية أي زعيم سوفياتي أو روسي منذ مؤتمر طهران في العام 1943، الذي شارك فيه ستالين مع كل من روزفلت وتشرتشل.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.