حسن م. يوسف - صحيفة الوطن السورية

جماعة ألبرتو
جماعة ألبرتو

أستطيع القول دون تردد إن أغلبية من التقيت بهم من المواطنين الأميركان في بلدهم كانوا أشخاصاً عاديين تغلب عليهم الطيبة. لكني لا أذكر أنني التقيت بأي أميركي خارج أميركا إلا وانتابني إحساس قوي بأنه عميل للمخابرات المركزية الأميركية. لهذا، كنت وما أزال، أتجنب الاحتكاك بالأجانب عموماً وبالأميركيين منهم بشكل خاص.

 
في مطلع تسعينيات القرن الماضي كان بعض المثقفين، اليساريين خصوصاً مع الأسف، يمضون من الوقت في المركز الثقافي الأميركي أكثر من الذي يمضونه في بيوتهم، فقد كان المركز يقدم للنخبة الثقافية خدمات في منتهى الأهمية، أفلام وكتب ومحاضرات... الخ. غير أني، بسبب ذلك الإحساس، لم أتردد على ذلك المركز سوى مرتين أو ثلاث. في تلك المرحلة كثر تردد المثقفين على السفارة وعلى بيت السفير، لدرجة أن أحد المثقفين (الكبار) كتب مقال مديح بعنوان "عشب حديقة السفير" ارتأى فيه أن الجنة في حديقة السفير الأميركي وما يشبه الجحيم خارجها!
كان مدير المركز آنذاك شخصاً من أصل كوبي يدعى البرتو فرنانديز، وهو حالياً يشغل منصب مدير الإعلام في إدارة الشرق الأوسط وشمال افريقيا في وزارة الخارجية الأميركيةوقد كان البرتو ولا يزال يعتبر «سفير» واشنطن لدى الفضائيات العربية لكثرة ظهوره على شاشاتها.
كان البرتورجلاً في غاية النشاط لا يفوِّت عرضاً ولا معرضاً ولا حفلاً موسيقياً إلا ويحضره، حتى ليمكن القول إنه كان أكثر مواظبة على حضور النشاطات الثقافية أكثر من كثير من المثقفين. وقد كان له نفوذ حقيقي في الحياة الثقافية. فعندما استدعت الهيئة العامة للرقابة والتفتيش، أحد المخرجين السينمائيين السوريين للتحقيق معه بسبب وجود بنود مثيرة للتساؤل في نفقات فيلمه، أبدى أحد زملاء المخرج قلقه من هذا الأمر فطمأنه الأول قائلاً: ألبرتو قال لي لا تهتم! وهذا يعطي فكرة واضحة عن مدى نفوذ ذلك الألبرتو!
كانت السفارة الأميركية في تلك المرحلة ترتب زيارات للمثقفين السوريين إلى أميركا ضمن برنامج «الزائر الدولي» وكانت السفارة تتقاسم الترشيحات مع وزارة الإعلام السورية. وبما أن كل المثقفين المهمين كانوا قد سافروا ضمن ذلك البرنامج، فقد رشحتني الوزارة للسفر. وأبلغتني العلاقات العامة بضرورة مراجعة السيد البرتو في السفارة الأميركية. استقبلني السيد ألبرتو بلطف وراح يمطرني بوابل من الأسئلة. كان المخرج المبدع نجدة إسماعيل أنزور قد باشر تصوير الجزء الأول من "أخوة التراب". وعنما جاء ذكر المسلسل سألني ألبرتو: "هل صحيح أنه يوجد في هذا المسلسل مشهد يقوم فيه رجال الخفية التابعون لجمال باشا باقتحام السفارة الأميركية، وكسر حائط فيها لاستخراج صندوق وثائق القنصلية الفرنسية المخبأة هناك؟"
ذهلت تماماً، ذلك لأن المشهد الذي كان البرتو يسألني عنه لم يكن قد صور بعد! وهذا يعني أن له (مخبرين) من داخل أسرة العمل!
بدا عليَّ الانزعاج فتوقفت عن إعطاء الرجل أية معلومة مفيدة واكتفيت بتقديم الإجابات المقتضبة له. أخيراً خاطبني البرتو مبدياً أسفه "لأن البرنامج الموضوع لهذه الدفعة من الزوار لا يناسب شخصاً "... " مثلي، وأنه يأمل أن يجد لي برنامجاً يناسب مستواي واهتماماتي خلال الفترة القادمة. بعدها رافقني الرجل إلى الباب الداخلي وقال لي وهو يصافحني: "نود أن نراك في نشاطاتنا". أجبته بهدوء وأنا أسحب يدي من يده مبتسماً: "عودت نفسي أن أنجز أشيائي بوساطة العمل الجاد، لاعن طريق العلاقات العامة"، ثم أدرت له ظهري ومضيت.
بعد ذلك بحوالي عشرة أشهر التقيت بالسيد وزير الإعلام أمام المصاعد في الوزارة، سألني بعتاب يخالطه شيء من تهكم: «كيف كانت زيارتك لأميركا؟» قلت له مبتسماً:»مثل زيارتك لواق الواق»! سألني مقطباً عن قصدي بهذا الكلام، فأبلغته أنني لم أسافر إلى أميركا، وحكيت له كيف أن البرتو سألني عن مشهد من مسلسل لم يكن قد صور آنذاك.
التفت الوزير إلى مدير مكتبه وقال له: "أبلغهم أنهم إذا لم يأخذوا حسن في الدفعة القادمة فسوف نوقف التعاون معهم". وهكذا سافرت إلى أميركا.
ما أود قوله من خلال هذه المقال هو أن حالة الاختراق التي يعاني منها بلدنا الحبيب سوريةالآن، لم تبدأ البارحة ولا أول البارحة. بل تم التحضير لها طويلاً وبشكل جيد منذ سنوات وسنوات، فحياتنا العامة تعج بأمثال هذا الألبرتو وجماعة هذا الألبرتو.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.