ناهض حتر - صحيفة الأخبار

بهدوء | حرب "داعش ـ 1" و"داعش ـ 2": فسحة أخرى للتورّط الأردني؟
بهدوء | حرب "داعش ـ 1" و"داعش ـ 2": فسحة أخرى للتورّط الأردني؟

حذّر رئيس الوزراء الأردني الأسبق، معروف البخيت، من وضع يجد فيه الأردن نفسه، تحت الضغط السعودي، "في خندق واحد مع التكفيريين والإرهابيين". وهناك مَن يعتقد أن هذا التحذير متأخر؛ حتى البخيت نفسه يلاحظ أن المسؤولين السوريين ـــ الذين طالما تحاشوا التعريض بالموقف الأردني منذ بدء الأزمة السورية ـــ هاجموا عمان، علناً، في تصعيد غير مسبوق.

وكان ذلك التصعيد، في الواقع، بالغ الجدية وخطيراً للغاية، لو تمكّنت غزوة الغوطة الشرقية، أواخر تشرين الثاني الماضي، من تحقيق أهدافها. شعر السوريون، لأول مرة منذ ربيع 2011، بأن الجبهة الأردنية أصبحت مؤذية إلى درجة تتطلب رداً حاسماً. فبالإضافة إلى أن قسماً رئيسياً من الغزاة انطلق من داخل الحدود الأردنية نحو الغوطة الشرقية، فإن غرفة العمليات السعودية ـــ الأميركية في عمان، وبالتعاون مع إسرائيل، هي التي أدارت تلك الغزوة التي شارك فيها خمسة آلاف إرهابي استطاعوا شنّ هجوم موجع على الجيش السوري وحلفائه، قبل أن يتمكن الأخير من صدّ الهجوم وإفشاله. لقد أرادت الرياض، تحقيق اختراق جدي في اتجاه دمشق، يمكّنها من الحصول على مهلة أميركية أخرى قبل «جنيف 2»، لإحداث تغيير في موازين القوى يسمح بتجديد المطالبة بتنحية الرئيس بشار الأسد.
كيف كانت دمشق ستردّ لو نجح الغزاة في اختراق جبهة الغوطة الشرقية؟ لم يكن أمامها من بديل سوى نقل المعركة إلى شماليّ الأردن، لإحداث اختراق موازٍ، لكن صمود المقاتلين السوريين وحلفائهم، طوى هذا السيناريو، وتنفّس الجانبان الصعداء.
رأت عمان المترددة أنها مضت مع السعوديين، إلى آخر الشوط، وأنه لم يعد بإمكانها، بعد، التورّط في المزيد من المغامرات، مهما كان غضب السعودية شرساً. تحرّك المسؤولون الأردنيون، بسرعة، نحو الاستدارة، عبر البوابة العراقية؛ ترأس رئيس الوزراء، عبدالله النسور، وفداً وزارياً إلى بغداد، وتوصل مع رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، إلى جملة تفاهمات موضوعية: التعاون الاقتصادي المتعدد المجالات بين البلدين، له ممرّ إجباري يتمثل في محافظة الأنبار المحاذية للأردن، والتي تعجّ بالإرهابيين الذين يهددون، أيضاً، أمن الأردن، ومن غير الممكن مجابهتهم من دون تنسيق أمني ثنائي، لا يتسق، بدوره، من دون قفل الحدود الأردنية ـــ السورية أمام التدخل السعودي بالرجال والسلاح.
يواجه الأردن، الآن، خطرين داهمين؛ (1) فـ "داعش" ـــ وحلفاؤها ـــ تستعد لإقامة إمارتها عبر الحدود السورية ـــ العراقية، في محافظات الحسكة ودير الزور السوريتين، ونينوى والأنبار العراقيتين. وعدا عن الجيرة المنهكة للإمارة الإرهابية، فإن خطر تمددها إلى الأراضي الأردنية، واقعي تماماً، كون تلك الأراضي هي المجال الحيوي والدفاعي والملاذ الممكن لـ "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، (2) ولكن للكمّاشة الإرهابية طرفاً آخر في شماليّ البلاد؛ فهناك الملجأ الوحيد الممكن، اليوم، لآلاف الإرهابيين الذين سيفرّون أمام تقدّم الجيش السوري البطيء، إنما الواثق، صوب جنوبيّ الجمهورية.
هل من مناص أمام الأردنيين سوى التنسيق مع العراقيين والسوريين لتلافي انطباق الكمّاشة الإرهابية على المملكة التي تنغل بـ "السلفيين الجهاديين"؟ التعاون الأمني مع بغداد بدأ فعلاً، وأعلنت القوات المسلحة الأردنية، الأحد، إرسال تعزيزات عسكرية إلى الحدود مع العراق، فيما الحدود مع سورية معززة أصلاً. ويمكن لعمان، بما تملكه من قدرات استخبارية وعسكرية، أن تلعب دوراً فعالاً في المساعدة على فرض الأمن والاستقرار لدى الجارين العراقي والسوري. لكن تبرز، هنا، المخاوف من انجرار الأردن، مرة أخرى، للتورط في مشروع إحياء "الجيش الحر".
من الواضح أن تعديلا في الخطط المعادية لدمشق، قد جرى فعلا من خلال تحفيز الصدام مع "داعش" بوصفها عنوانا وحيدا للإرهاب؛ سيسمح ذلك باستعادة شيء من الصدقية لـ "الجيش الحر" أو، للدقة، لبقاياه التي تسندها فصائل متطرفة لا تقل توحشا عن «داعش»، ولكنها قبلت الانضواء في مشروع سياسي يمنح لمقعد «الائتلاف» السوري المعارض وزناً ما في "جنيف 2".
هل تنخرط عمّان، بدورها، في ذلك المشروع المفبرك لتعويم بقايا "الجيش الحر"، أم أنها ستواجه حلفاءها بما تملكه من معطيات تؤكد أن الصدام الميداني الحادث الآن، في أوساط التنظيمات السورية المسلحة، هو، في الواقع، بين "داعش ـ1" و"داعش ـ2"، سواء أكان اسمها "جيش المجاهدين" أو "الجبهة الإسلامية" أو "أحرار الشام" أو سواها من تنظيمات طائفية ووهّابية وإخوانية، جميعها، في الواقع، تكفيرية ولا تقبل بالتعددية الدينية والثقافية والسياسية، وتسعى، في "جهادها" لإقامة دولة طائفية في سورية، وإلى تقسيم البلاد على أسس مذهبية، وإطلاق الحرب الأهلية في المنطقة كلها؟

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.