حسن م. يوسف - صحيفة الوطن السورية

ما لن أسامح عليه
ما لن أسامح عليه

«استعدوا لحرب النفط!» كانت تلك الصرخة التي أطلقها اللورد فيشر وزير الحربية البريطاني عام 1901، وقد سبق لي أن عبرت، غير مرة، وفي مناسبات متباعدة، عن قناعتي بأن كل ما شهدته منطقتنا منذ ذلك التاريخ وحتى الآن ما هو إلا معارك في حرب النفط القديمة هذه، بما في ذلك مأساة فلسطين.
بعد تفكير طويل بالحال الذي صرنا إليه، توصلت لقناعة بأن غضب الشعوب أشبه بالأنهار الكبرى لا يستطيع أحد أن يخترعه. لكن الأذكياء يستطيعون توجيه مياه الأنهار الكبرى، بما يخدم غاياتهم، كبناء السدود في وجهها لري أراضيهم وتوليد التيار الكهربائي لإنارة منازلهم.
لم تكن الحركة العربية التي انتشرت في بلاد الشام والحجاز في مطلع القرن الماضي، من صنع الغرب، لكن دهاقنة السياسة الغربية، تمكنوا من خلال رصدهم لنزعة العروبة المتنامية، أن يوجهوا «مياهها» بحيث تخدم مصالحهم. وهكذا تمكنوا من توظيف قوة الناس الذين كانوا يحلمون بالدولة العربية الكبرى لخدمة كابوس سايكس بيكو الذي لم يكن يخطر لهم على بال!
قبل عقود قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر: «في هذه المنطقة وجدت كل الأديان ولا يمكن التعامل معها إلا من خلال الدين». وفي النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي كان الأكاديمي زبيغنيو بريجنسكي مستشار الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي، قد دعا في كتابه «بين عصرين، العصر التكنوتروني» إلى ترسيخ «هيمنة رجال الدين وإشعال حروب الأديان والطوائف، وتقوية التيارات الدينية التي لا ترى العالم إلا من زاوية الدين والخلافات الدينية».
إن نظرة متأملة على ما جرى ويجري في منطقتنا تكفي لكي نستنتج أن أميركا لا ترتجل سياساتها، بل تعتمد أسلوب السيناريوهات المحتملة بغية الوصول لغاياتها القديمة نفسها، وعندما يتعثر سيناريو يكون البديل جاهزاً. ومن يدقق يجد أن الأميركان يحاولون مجدداً العودة لسيناريو حروب الأديان.
عقب احتلال أميركا للعراق قام بريمر بحل الجيش العراقي، وإرساء نظام المحاصصة الطائفية، وقد كان الهدف البعيد من ذلك هو تفتيت المجتمع العراقي ودفع الناس للاقتتال فيما بينهم، على حين تستمر أميركا في نهب النفط من دون أن تضطر للتضحية بجنودها في ميادين القتال.
يقول الباحث البريطاني جوناثان كوك في كتابه «إسرائيل وصراع الحضارات» الصادر
عام 2008 أن «العراق كان مكاناً جيداً لاختبار هذه الإستراتيجية لأسباب متعددة كان منها، أنه تمكن في السابق من تحقيق وئام طائفي وإعلاء راية الوطن على راية الطائفية، فقد كانت نسبة الزيجات المختلطة بين الطوائف المتباينة هي الأعلى في الشرق الأوسط، وكان من الواضح أنه إذا نجحت تلك الإستراتيجية في العراق فإن بإمكانها أن تنجح في أماكن أخرى كثيرة!».
بعض الأصدقاء طلبوا مني قبل أيام أن أكتب عما نشر في بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي عن أصل آل سعود اليهودي، وعن اكتشاف أحدهم لنسب القرضاوي على أنه يعود إلى يهود بني قريظة.
لهؤلاء الأصدقاء أقول إن مثل هذه الطروحات غير ذات قيمة لي حتى ولو ثبتت صحتها، فدين المرء ليس هو ما يحدد شخصيته، إذ ثمة يهود شرفاء خدموا القضية العربية أكثر من بعض العرب مثل راشيل كوري التي استشهدت تحت جنزير جرافة إسرائيلية في غزة، وألفريد ليلنتال، ويهودي منوحين ونعوم تشومسكي ونورمان فنكلشتاين، الذين عانوا ويعانون بسبب مواقفهم المشرفة المناصرة للحق العربي.
الشيء الذي لن أسامح آل سعود عليه هو أنهم انخرطوا في مشروع الغرب الاستعماري، فشوهوا الإسلام السمح بحيث بات معادلاً للإرهاب، وحولوا ثروة النفط الهائلة إلى ما هو أكثر سوءاً من الفقر.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.