صحيفة السفير اللبنانية

هولاند وخياراته السورية والإقليمية .. اعتراض الفرنسيين إلى تزايد
هولاند وخياراته السورية والإقليمية .. اعتراض الفرنسيين إلى تزايد


من فرنسوا ميتران إلى فرنسوا هولاند. بهذا الشعار احتفل الفرنسيون برئيسهم الجديد غداة انتخابه في العام 2012، بعد أن «تخلّصوا» من نيكولا ساركوزي الذي ضجّت فترة رئاسته بالفضائح المالية والسياسية، وكان آخرها تمويل العقيد الليبي الراحل معمر القذافي لحملته الانتخابية ومشاركته من بعدها بالحملة العسكرية على ليبيا.
ساركوزي ذاته، الذي دعا في 14 تموز العام 2007 الرئيس السوري بشار الأسد إلى ترؤس العرض العسكري في اليوم الوطني الفرنسي عاد ليشنّ حملة شعواء، سياسية وديبلوماسية، على الأسد. إلا أن هولاند تفوّق على سلفه بحملاته في مجلس الأمن الدولي لإصدار قرار ضد دمشق، بالإضافة إلى الإعلان عن تسليح المقاتلين وحملته لدعم الاقتراح الأميركي بالتدخل العسكري في سورية، بالرغم من أن 68 في المئة من الفرنسيين عارضوا هذا التدخل، بحسب استطلاع أجرته صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية.
زعيمة «الجبهة الوطنية» اليمينية المتطرفة الفرنسية مارين لوبن، المرشحة للرئاسية الفرنسية، التي حصلت على 17.9 في المئة من الأصوات في المرحلة الأولى، وهو ما منح فريقها السياسي أفضلية في ترجيح كفّة الرئيس الذي سيخلف ساركوزي، رأت أن «الثورات تغيّر مسارها، حيث بدأت شعبية لتتحوّل إلى سيطرة تنظيم القاعدة وفرض أحكام الشريعة التي جعلت الربيع العربي شتاء إسلامياً بسبب عمى الدول الغربية».
وجددت لوبن، في حديث مع قناة «سما» السورية، رفضها التدخل في شؤون الدول الأخرى «نحن ندافع عن حريتنا وسيادتنا وهويتنا في فرنسا. ومن هنا علينا أن نقوم بالأمر عينه مع المجتمعات الأخرى»، مذكرة بأنها كانت ضد التدخل العسكري في ليبيا الذي أدى إلى استلام الأصوليين ومنح «القاعدة» السلطة لتطبيق الشريعة التي هي ضد الديموقراطية.
ورأت لوبن أن «ارتكاب الخطأ ذاته في سوريا أمر غير مغفور، فالدول الغربية تكرر السيناريو الليبي، ولكن بطريقة سرية، حيث تقوم السعودية وقطر بإمداد المسلحين الإسلاميين بالسلاح»، مشددة على أن «الحل الوحيد في سوريا هو ديبلوماسي، ويعتمد على الحوار»، مشيرة إلى أن «قطر تحاول إنشاء مملكة، كما تحاول أن تكون لاعباً في المنطقة»، محمّلة إياها مسؤولية «كل الانحرافات التي تلت الربيع العربي، فيما دور قطر والسعودية مزدوج في العالم وخاصة في أوروبا».
ورأت زعيمة اليمين الفرنسي المتطرّف، أننا في سوريا «أمام حرب أهلية، المدنيون هم ضحيتها الأولى».
وعن السياسة الخارجية الأميركية، أشارت لوبن إلى أنه «كلما تدخلت الولايات المتحدة في سياسات غيرها من الدول يؤدي ذلك إلى نتائج مأساوية. الاستراتيجيات السياسية الأميركية كارثة حقيقية. وهناك تعارض كبير بين خيارات الأميركيين وخطاباتهم».
وأضافت «لا يمكن محاربة التعصّب والعمل في إطار الحرب على الإرهاب، وفي الوقت ذاته دعم التنظيمات الإسلامية كما تفعل واشنطن في الربيع العربي»، معربة عن أسفها أن «أوروبا تتبع الولايات المتحدة في كل ما تقوله أو تفعله، ونحن نخلق الأعداء هنا وهناك، في الوقت الذي نحقق المصالح الاقتصادية الأميركية، فيما نعرّض أمننا وعلاقاتنا الإستراتيجية للخطر»، مضيفة «فرنسا فقدت قدرتها الديبلوماسية وباتت خاضعة للسياسة الأميركية».
على صعيد متصل، تؤكد السياسية الفرنسية أنه «تاريخياً واستراتيجياً واقتصادياً نحن جميعاً مهتمون بتعزيز العلاقات مع روسيا، فواشنطن تلعب دائماً دور الوصاية وتقوم باللف والدوران وتنحية الآخر»، معتبرة أن «العلاقات مع روسيا لن تكون على حساب المصالح النفطية لكل من البلدين».
أما في الموضوع الإيراني، فتؤكد لوبن حق طهران بالحصول على الطاقة النووية السلمية، مشيرة إلى أن الأميركيين يتعاطون مع الملف الإيراني كما فعلوا مع العراق.
من جهته، رأى رئيس «حزب الاتحاد من أجل الديموقراطية الفرنسية» فرنسوا بايرو، وهو أيضاً مرشح سابق للرئاسة، أن «علاقات فرنسا مع الشرق الأدنى والشرق الأوسط، وخاصة البلدان العربية وسورية ولبنان، أساسية جداً إلا أن سياسة نيكولا ساركوزي كانت متوترة مع هذه الدول بسبب العلاقة التي تربطه بقطر».
وأكد بايرو، في حديث مع «سما»، أن «ما يجري في سورية لا يمكن اختزاله تحت مسمى الربيع العربي، ولا أرى أي حكمة في تدخل فرنسا عسكرياً في سورية». 
وأضاف بايرو، الذي اقترع لمصلحة هولاند في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، «أنا لا أؤيد دعوة الرئيس الفرنسي إلى تسليح المعارضة السورية، وأرجو وضع كلمة سورية بين مزدوجين، لأني أعتقد أن هناك معارضات سورية»، مؤكداً أن «هذه الأسلحة التي سيتم إرسالها ستلعب - يوماً ما - دوراً في عدم استقرار المنطقة».
وتابع «بعد المخاطرة التي قمنا بها في ليبيا، انتشرت الأسلحة التي أدخلناها إلى المنطقة انتشارا خطيرا، وقد وجدنا بعضاً منها في مالي»، معتبراً أنه «من غير المنطقي أن نشنّ حرباً في مالي على المجموعات الإسلامية المتطرّفة فيما نقدّم - بأسلوب التفافي - الدعم لتنظيمات مقربة من هؤلاء أو مرتبطة بهم».
ورأى أنه «إذا استطعنا تجنب تغذية دورة العنف بأسلحة، سترتد علينا في المستقبل، فسيكون هذا أمراً جيداً، لأنه من غير الحكيم أن نستمر بدعم المسلّحين بالرغم من معرفتنا بطبيعة المعارضات السورية».
وقال «صوت المنطق في سوريا يتجلّى باتفاق سياسي، إلا أنني أتخوّف من أن يسحق طرف الآخر»، معرباً عن قلقه على مصير المسيحيين في سوريا والمنطقة، مشيراً إلى أن «مسيحيي الشرق هم الشعوب الأصلية في المنطقة، حيث يعود تاريخهم إلى عشرات القرون، وهم جزء من هوية بلدان المنطقة وهي هوية جديرة بالاحترام، ولا يمكن قبول أن يكونوا موضع تهديد».
في أيلول الماضي، أظهر استطلاع أجرته صحيفة «لو نوفيل أوبسرفاتور» الفرنسية أن 56 في المئة من الفرنسيين يرفضون السياسة التي ينتهجها هولاند إزاء الأزمة السورية. وقد أكد «أي فوب»، وهو واحد من أهم مراكز الاستطلاع الفرنسية، أن التراجع الحاد في دعم الفرنسيين لهولاند يعود إلى أزمة الضرائب وتعاطيه مع الملف السوري. 
إن التراجع في الدور الريادي في أوروبا والعالم الذي تعاني منه فرنسا، والذي تظهّر في تعاطي «الانتداب السابق» مع منطقة الشرق الأوسط وخاصة في الملف السوري، يضعنا أمام جملة من التساؤلات: هل ستقوم دولة الحريات بكسر قيد «التبعية» للسياسة الأميركية؟ وهل ستبلور «أم الثورات» رؤية جديدة تجاه «الربيع العربي»؟ وأخيراً هل ستقدّم «الأم الحنون» بعضاً من الدعم لدول غادرتها منذ زمن ليس ببعيد، في الوقت الذي تواجه فيه تلك الدول خطر البقاء؟

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.