جميل السيد - صحيفة السفير اللبنانية

عندما يصبح التوقيع سلاحاً
عندما يصبح التوقيع سلاحاً


يبدو الرئيس ميشال سليمان مُصِرّاً أكثر من أي وقت مضى على تشكيل حكومة أمر واقع حيادية برئاسة الرئيس تمام سلام، وهو أبلغَ مختلف الفرقاء، ولا سيّما فريق الثامن من آذار وحلفاءه، بمن فيهم النائب وليد جنبلاط، بأنه لم يعد يستطيع الانتظار لأبْعد من منتصف شهر كانون الثاني القادم، وأنّ قراره بالتوقيع على مرسوم تشكيلها بالتوافق مع سلام هو قرار نهائي لا تراجع عنه، بصرف النظر عن الاعتراضات العلنية الحادّة التي برزت مؤخّراً، وبصرف النظر عن المستجدّات الأمنية الخطيرة، بما فيها مسلسل التفجيرات في الضاحية وطرابلس وجريمة اغتيال الوزير السابق محمّد شطح، التي رأى فيها «تيار المستقبل» وحلفاؤه فرصةً للمطالبة بثمن سياسي، أيْ الاستئثار الكامل بالحكومة مقابل رأس الشهيد، على غرار النهج الذي اعتمده هذا الفريق منذ استلامه للسلطة في العام 2005.
الحجّة الظاهرة للرئيس سليمان في اندفاعه الحالي لتشكيل تلك الحكومة تكمن في أنه يخشى الفراغ الرئاسي وعدم توفر الظروف لانتخاب رئيس للجمهورية قبل انتهاء ولايته في الخامس والعشرين من شهر ايار القادم، وأنه لا يمكنه تسليم هذا الفراغ الى حكومة من لون واحد، أي إلى حكومة الرئيس ميقاتي، وبالتالي فالمقصود هو تشكيل حكومة حيادية لملء الفراغ الرئاسي المُحتمل، بحيث يُراعَى فيها التمثيل الطائفي وليس التمثيل السياسي بالضرورة، وبحيث يكون وزراؤها من ذوي المواصفات والمؤهلات المناسبة في طوائفهم ومذاهبهم، لكن من خارج الاصطفافات السياسية القائمة في البلاد.
وبموازاة ذلك يعتبر الرئيس سليمان ان الدستور اللبناني أعطاه صلاحية تأليف الحكومة بمشاركة رئيسها المكلّف حصراً، بما في ذلك توقيع مرسوم تشكيلها، وأنّ مراعاة الميثاق الوطني والعيش المشترك في تأليفها يكون بتطبيق القاعدة العددية في تمثيل الطوائف والمذاهب ضمن الحكومة وليس بالضرورة في تمثيل الفرقاء السياسيين او زعاماتهم الطائفية عبر الحصص، كما درجت عليه الأمور منذ تطبيق اتفاق الطائف.
وقد يكون الرئيس سليمان على حقّ من الوجهة الشكلية والتقنية الصرف، عندما ينظر الى تأليف الحكومة فقط من زاوية ملء الفراغ الرئاسي المرتقب ومن زاوية التمسك بصلاحيته الدستورية في تأليفها، حتى ولو لم يتبِعْ هذه القاعدة على مدى خمس سنوات ونصف من عهده الرئاسي، وحتى لو كانت الأعراف المطبقة منذ إقرار دستور الطائف تقول غير ذلك. لكن أيضاً، حتى ولو سلّمنا جدلاً بصحّة هواجس الرئيس في ملء الفراغ الرئاسي وبصوابية تفسيره ومستشاريه لصلاحيته الدستورية، فإنّ من المُسلَّم به هو أنّ تأليف الحكومة، أيّ حكومة، هو عمليّة سياسيّة بامتياز في توقيتها ومضمونها قبل ان تكون عملية تقنية أو تركيبة عددية من هذه الطائفة او تلك، لا سيّما إذا جاءت عملية التأليف في توقيتٍ متأزّم داخلياّ وتحتدم فيه الاستحقاقات والتحدّيات والمواجهات الإقليمية، ممّا يستوجب بالدرجة الأولى معالجة المشكلات القائمة وفقاً لأولوياتها ولا سيما مواجهة التطوّرات والأخطار المصيرية الملحة التي تقضّ مضاجع المواطنين وتضع البلد على حافة الهاوية، وبالتالي فإنّ تأليف أيّ حكومة جديدة يكون عديم النفع إنْ لم يؤدِّ إلى خلق تركيبة وزارية مدروسة وقادرة بصورة أكبر وأفضل من سابقتها على تعزيز أمن البلد واستقراره بما يؤدي الى تحسين وتسيير شؤون البلد والناس في ظل تحديات ومخاطر المرحلة الراهنة والمقبلة.

الأولوية لسد الفراغ 
أم منع الانهيار؟

من هنا فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه، هو هل إنّ الفراغ الرئاسي الذي يُخشى من حصوله بعد خمسة أشهر تقريباً هو الأولوية التي يجب أن تدفع رئيس الجمهورية منذ الآن الى تأليف حكومة حيادية كهذه، وهل فعلاً انّ الحكومة الحيادية المنوي تشكيلها ستكون أفضل من سابقتها أو أقدر من حكومة سياسية على احتواء التأزّم الداخلي ومواجهة التحديات والأخطار المُحدقة بلبنان حاضراً ومستقبلاً؟
بالنسبة للفراغ الرئاسي، فإن فترة الأشهر الخمسة التي تفصلنا عن انتهاء ولاية الرئيس، هي فترة زمنية قد تكون الأخطر على لبنان في ظلّ التوترات الداخلية المتسارعة سياسيّاً وإعلاميّاً وحتى دَمويّاً، وفي ظل احتدام الصراع الإقليمي والدولي في سوريا، وانعكاس هذا الصراع على لبنان بصورة مباشرة ويومية، وحيث لا مؤشرات في الافق، بما فيها انعقاد مؤتمر «جينيف 2»، يمكن أن تعطي أملاً ولو ضئيلاً بانحسار هذا الصراع، لا بل إن المؤشرات الواقعية تدل على عكس ذلك تماماً. وبالتالي فليس من أحد في لبنان وخارجه، وكم بالأحرى رئيس الجمهورية، قد يجهل من قريب أو بعيد أن الهاجس الأول وألهمّ المُطلق للبنانيين جميعاً هو خوفهم من الانهيار أو الانفجار الداخلي للبلد ومن انتقال العدوى او الفتنة السورية اليه، بما يعنيه ذلك من تهديد للأمن والاستقرار في الحد الأدنى، أو إدخال البلد في أتون الحرب الأهلية مجدّداً في الحد الأقصى.
وأيّاً تكن وجهة النظر الرئاسية في هذا المجال، فإنّ تلك هي أولوية اللبنانيين جميعاً كبيرهم وصغيرهم في هذا التوقيت بالذات، وبالتالي فمن حقّهم البديهي على فخامة الرئيس كما مِن أُولى واجباته ومسؤولياته حيالهم أن يبادر الى تأليف الحكومة المناسبة لمعالجة ومواجهة تلك الاولوية، أي مصير البلاد والعباد، وليس إلى تأليف حكومة تعالج مصير الكرسي الرئاسي في بعبدا، إذ قد تطير البلاد قبل أن تفرغ الكرسي، وما همّهم بالتالي أن تصبح تلك الكرسي فارغةّ أو ملأى بعد ستة أشهر طالما أنّ مصيرهم اليوم هو على المحكّ وفي هذه المرحلة بالذات.

الخطر البعيد والخطر القريب

وللتذكير أيضاً فإن الدستور اللبناني يقول إن عملية انتخاب رئيس جديد للبلاد ينبغي ان تبدأ قبل شهرين من انتهاء ولاية الرئيس الحالي، أي في الخامس والعشرين من شهر آذار القادم، وبالتالي فإنه تفصلنا حتى ذلك التاريخ مدة ثلاثة أشهر حاسمة ومصيرية على مستوى لبنان والمنطقة، ومن حقّ اللبنانيين ان يتساءلوا كيف يمكن للرئيس أن يؤلف حكومة يستعجل فيها استدراك الخطر البعيد المدى، أي الفراغ الرئاسي، ويستأخِر فيها استدراك الخطر الجاثم على القلوب والأبواب، أي انفجار البلد ومصير أهله؟ ثم وأيضاً من حق اللبنانيين ان يتساءلوا عن أية حكومة حيادية يتكلم فخامة الرئيس وعمّن هو الحيادي في هذا البلد، وهل الرئيس المكلّف تمام سلام، وبصرف النظر عن مزاياه الشخصية، هو من الوجهة السياسية شخص حيادي أم هو من صُلْب «تيار المستقبل» وفريق «14 آذار» ومن صُلب السياسة الإقليمية والدولية التي تقاتل في سوريا وتُعادي المقاومة وفريها في لبنان وتسعى للغَلَبة فيه منذ العام 2005 أي منذ ما قبل الحرب السورية بكثير؟
وحتى لو افترضنا جدلاً بأن فخامة الرئيس قد نجح في إصراره وشكّل حكومة حيادية برئاسة تمام سلام منذ الآن، أيْ حكومة وريثة للفراغ الرئاسي وتكون الغلبة فيها عملياً لفريق «14 آذار»، وطالما أنّ هذا الفريق يعلم سلفاً بأن تركيبة المجلس النيابي الحالي لن تسمح له مطلقاً بانتخاب رئيس للجمهورية على هواه، فأية مصلحة لهذا الفريق بالمخاطرة في انتخاب رئيس جديد وغير مضمون؟ وبمعنى آخر، ألا يرى فخامة الرئيس أن تأليف حكومة كهذه بحجة ملء الفراغ الرئاسي المحتمل سيؤدّي عملياً إلى تشجيع الفريق المسيطر فيها على خلق فراغٍ رئاسي طويل المدى وتعطيل الانتخابات الرئاسية منذ الآن وحتى قبل ان تبدأ مهلتها الدستورية؟
وأيّهما الأصَحّ للبلد والناس، أن يستبق الرئيس سليمان الفراغ الرئاسي بحكومة سياسية يتمثل فيها الفرقاء الأقوياء بأحجامهم المناسبة، حتى ولو كان معظمهم لا يُحتَمَل ولا يُستَسَاغ، لكنهم قادرون على ضمان استقرار البلد وتحصين جيشه وأمنه وضبط شارعه واستيعاب المفاجآت ألأمنية وردّات الفعل الطائفية والمذهبية والميدانية عليها، أو أن يملأ الرئيس ذلك الفراغ بحكومة حيادية، قد تكون حُلم اللبنانيين جميعاً في الأوضاع العادية، لكن في هذه الأيام العصيبة، لا وزن لوزرائها ولا تأثير لهم، ولا شارع يضبطونه ولا جيش يغطّونه ولا خطر يدرؤونه ولا مواطن يحمونه ، فيما التجربة علّمتنا بأن الحيادي في لبنان هو عموماً شخصٌ بحاجة لمن يحميه وقد يهرب وسيهرُب من الطلقة الأولى؟

معركة حياة أو موت

وبالعودة الى التوقيت الإقليمي لاندفاعة الرئيس نحو حكومة حيادية، فما هو مُسلّم به حاليّاً هو أنّ الكلّ في المنطقة، وأقلّه حتى اليوم، يخوض معركته في سوريا على أنها معركة حياة أو موت، والشيء نفسه ينطبق أيضاً على الفرقاء اللبنانيين المتصارعين. ولا حاجة هنا للإنكار أن فريق «الرابع عشر من آذار»، المُرتبِك والمُحبَط اليوم من صمود النظام السوري، قد دخل تلك المعركة منذ يومها الأول، إلى جانب حلفائه الإقليميين والدوليين، وبكلّ الوسائل والتسهيلات المتوفرة لديه عبر مناطق نفوذه الشمالية والبقاعية على أساس أن النظام السوري ساقطٌ لا محالة في أشهر قليلة وأنه سيتبع ذلك حتماً تطويق أو سقوط المقاومة وفريقها في لبنان. كما لا أحد ينكر بالمقابل أنّ فريق المقاومة قد دخل تلك الحرب علناً في مطلع السنة الحالية متأخّراً عن خصمه اللبناني بعدما كان مراقِباً للوضع السوري على مدى سنتين وناصحاً بالحوار بين السلطة والمعارضة.
ولا أحد ينكر بالتالي بأن الفريقين اللبنانييْن المتصارعيْن في لبنان وسوريا، أيْ تحالف تيار المستقبل من جهة وتحالف تيار المقاومة من جهة أخرى، قد بلغا مؤخّراً قمّة التصعيد السياسي ونقطة اللاعودة في المواجهة بينهما ما لم تتمّ تسوية أقليمية ما، لا تزال مستبعدة في المدى المنظور. وأنه بالتالي لم يكن لهذا التوازن السلمي الهشّ في لبنان أن يصمدَ بين الفريقين حتى الآن رغم بعض المطبّات الأمنيّة الخطيرة الحاصلة مؤخّراً لولا سببيْن رئيسيّيْن، أوّلهما أن الفريق الداخلي الراغب بالصدام الميداني غير قادر عليه وأنّ الفريق القادر على الصدام غير راغب به، وثانيهما أن القوى المتصارعة في سوريا لا تزال، كُلٌ لأسبابها ومصالحها، تتمسّك باستقرار لبنان خوفاً من امتداد النار السورية اليه، بما فيها بعض القوى الغربيّة التي تلجم جنوح بعض الدول الخليجية التي قد لا تأخذ الاستقرار اللبناني بالحسبان في خضم استقتالها لإسقاط النظام في سوريا.
وبالتالي فإنه ربّما ما لم ينتبه اليه الرئيس سليمان في سعيه الى تأليف حكومة حيادية تحت شعار الفراغ الرئاسي والتي تؤدّي عمليّاً الى سيطرة «تيار المستقبل» وحلفائه على السلطة وقلب التوازن ألأمني والسياسي الهشّ في البلد، ما لم ينتبه اليه الرئيس في هذا المجال هو أن توقيعه على مثل هذه الحكومة وفي هذه الظروف والنتائج بالذات، إنما يُعتبر بالمفهوم السياسي والعملي استخداماً للتوقيع كسلاحٍ لإطلاق النار بالوكالة على المقاومة وحلفائها بما يقلب موازين القوى الداخلية في البلد لمصلحة «تيار المستقبل» وحلفائه في الداخل ولمصلحة بعض الخارج الخليجي في إطار حربهم الضروس للإمساك بورقة لبنان، سواء قبل مؤتمر «جنيف 2» أو بعده، في إطار المواجهة الإقليمية المُعلنة التي تقودها السعودية ضد إيران.

حذار قلب موازين القوى

ما يعرفه العقلاء في لبنان بالتجربة والتاريخ، وأبرزهم اليوم لحسن الحظّ، حتى ولو مؤقّتاً ربّما، النائب وليد جنبلاط، هو أنّ محاولات قلب موازين القوى في لبنان، سواء بقرار داخلي أو خارجي، إنما كانت محاولات لم تمرّ يوماً مرور الكرام في لبنان، بل لطالما تسبّبت بالفتنة وبالحروب الأهلية المتكررة، وكان مصيرها الفشل في كلّ مرة، حتى عندما كانت تلك المحاولات مدعومةً عسكرياً على الأرض اللبنانية بقوى دولية وإقليمية عظمى، بدءًا من التجربة الأميركية مع الرئيس كميل شمعون العام 1958 إلى التجربة الفلسطينية مع الحركة الوطنية العام 1975 مرورأ بالتجربة الإسرائيلية مع الرئيس بشير الجميّل العام 1982 ووصولاً الى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 العام 2004 الذي، «مع كلّ عَظَمَتِهِ والتغني اليومي به» ، كان ليبقى حبراً على ورق الى اليوم لولا أنه «استعان» باغتيال الرئيس رفيق الحريري لتنفيذ الجزء المتعلق بالانسحاب السوري من لبنان، قبل أن يستعين بالعدوان الإسرائيلي العام 2006 لتنفيذ الجزء اللبناني منه والمتعلق بضرب تيار المقاومة وحلفائه، فكانت النتيجة فشلاً وبقيت المعادلة اللبنانية القائمة على حالها الى اليوم.
من هنا فإنّ استخدام سلاح التوقيع من قبل فخامة الرئيس حيث عجزت الأسلحة الأخرى عن قلب موازين القوى الداخلية في البلد، وتحت ستار الحكومة الحيادية لملء الفراغ الرئاسي، هو، في هذه الظروف بالذات وعلى ضوء تجارب الماضي القريب والبعيد، ومن حيث يرغب الرئيس أو لا يرغب، بمثابة الشرارة لمشروع حرب أو إعلان حرب على فريقٍ سياسي يمثل نصف اللبنانيين على الأقل، حتى ولو أنّ بعض الفرقاء ألآخرين من لبنان وخارجه يحاول أن يضغط على الرئيس أو يُقْنِعَهُ باستسهال التوقيع والاستخفاف بالنتائــج، أو أن يــحاول هذا البعض أن يستثير انفعال الرئيس وعِناده بالقول إنّ هذا التحذير هو نوعٌ من التهديد الذي يستهدفه، وما ذلك بتهديد بقدر ما هــو واقعٌ تاريخــي ودائم، لا يمكن تجاهله من قبل إي عاقلٍ في لبنان وبالأخصّ إذا ما كان رئيساً للبلاد.
وللتذكير فقط، فإن ما يدعو الى التساؤل في إصرار فخامة الرئيس على الحكومة الحيادية التي ستحل مكانه بعد انتهاء ولايته والتي ستكون لاحقاً مع رئيسها تمام سلام تحت سيطرة «تيار المستقبل» وحلفائه، هو أنّ الرئيس سليمان نفسه، ومنذ تأليف حكومة الرئيس ميقاتي ذات أغلبية الثامن من آذار، قد فعل المستحيل حينذاك وبالتنسيق مع ميقاتي وجنبلاط كي لا ينقلب التوازن في البلد ضد الفريق الغائب عنها، أي «تيار المستقبل» وحلفائه، فشكّل معهما حينذاك ما يشبه الثلث المعطّل ضد ألأغلبية، وبحيث بدا في كثير من الأحيان بأن الرئيس قد أمّن لتيار «المستقبل» من خلال حكومة الميقاتي ما كان قد عجز عنه سعد الحريري نفسه عندما رئيساً للحكومة، ولا سيّما في موضوع التمديد للمحكمة الدولية وتمويلها، مروراً بحماية واستمرارية رموز تيار «المستقبل» في القضاء والأمن والإدارة بمن فيهم المتورطون في قضية شهود الزور، وانتهاءً حتى بمنع التعيينات في المناصب القضائية والأمنية والإدارية الشاغرة حتى لا يشغلها من قد يزعج تيار المستقبل وحلفاءه.
والسؤال الذي يستتبع ما تقدّم هو كيف للرئيس سليمان أن يغادر السلطة على قاعدة «مِن بعدي الطوفان»، وأن يفسّر موقفه المتناقض بين أن يكون حريصاً على التوازن الوطني عندما كان حاضراً في السلطة في حكومة الميقاتي فيمنع «تسليم رقبة» «تيار المستقبل» وحلفائه إلى أخصامه، وبين أن يصبح، وهو مغادر للسلطة وغائب عنها، متجاهلاً لهذا التوازن الوطني فيسلّم رقبة المقاومة وحلفائها الى أخصامها؟ وأية ضمانات لديه ولدى اللبنانيين بأن تلك الحكومة ستبقى حيــادية في غــيابه، ومن يستطيع أن يضمن منْ في هذا الصراع المستفحِل وفي هذه الظروف بالذات؟ ثـمّ ألا يــرى فخــامة الرئــيس وهو مغادرٌ للرئاسة أن ظروف البلد والمنطقة اليوم وغداً هي أسوأ وأخطر بكثير من الظروف التي استدعت حرصه السابق على التوازن الوطني وبحيث أن توكيل البلد الى فريق واحد سيكون مشروع فتنة أكثر مما هو مشروع أمن واستقرار؟
بالطبع ليس المطلوب من فخامة الرئيس أن يملأ الفراغ الرئاسي بحكومة تصريف أعمال الرئيس ميقاتي ذات غَلبَة فريق «الثامن من آذار»، كما ليس من المُفترض به، حرصاً على البلد، أن يملأ الفراغ الرئاسي بحكومة حيادية تكون الغلبة فيها لاحقاً وحُكْماً لفريق الرابع عشر من آذار. فمصلحة البلد وأمنه واستقراره، كما الحِكمة السياسية ومنطق ألأمور، كل ذلك يحتم أن يسعى الرئيس بالأوْلويّة، لا إلى ملء الفراغ الرئاسي المُحتمل على بُعد خمــسة أشــهر من اليوم، بل إلى توفير الظروف منذ الآن لحماية الاستقرار اللبناني أوّلا،ً تمهيدأ لحصول الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري ثانياً. فإنْ تعذرت الانتخابات لأي سبب، فإنّ وحدة البلد وسلامته وأمنه واستقراره تُحَتّم أن يعمد الرئيس إلى تسليم أمانة الحُكم، حينها لا قَبْلها، الى حكومة تجمع الفريقيْن السياسيّيْن المتخاصمين معاً بأَحْجامهما، وحيثُ علّمتنا التجربة في بلد كلبنان أنّ الزواج الإكراهي بين اللبنانيين داخل السلطة هو أفضل وأرحم على البلاد والعباد من الطلاق في الشارع...
حتى الآن، يبدو أن فخامة الرئيس لا يريد أن يُصغي، لا لِضعفٍ في السمع ولا لجهلٍ بالأمور، بل وكما بدا من خطابه الأخير، أنه، ومع الأسف، قد ارتأى بأن سعر الحكومة الحيادية والانقلاب على التوازن الوطني في لبنان هو ثلاثة مليارات دولار، وهو ثمن بخسٌ جدا ولا يوازي خسائر ودمار شهر واحد من حربٍ أهلية في البلد.
حَسَنةُ لبنان أنه بلد بلا أسرار، فلننتظر ونرَ.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.