السفير اللبنانية -عبدالله سليمان علي-

«الأمير المزدوج» يجدد التوتر بين "النصرة" و"داعش"... «قاعدة» حمص تستنجد بالظواهري
«الأمير المزدوج» يجدد التوتر بين "النصرة" و"داعش"... «قاعدة» حمص تستنجد بالظواهري

«جبهة النصرة» تعلن النفير العام في حمص، بناءً على نداء استغاثة موجه من أحد قياداتها في المدينة إلى زعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري، في الوقت الذي تجدد فيه التوتر بين «جبهة النصرة» من جهة وبين تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) من جهة ثانية، وذلك بعد انتشار بيان منسوب إلى «جبهة النصرة» يطالب بالإفراج عن «الأمير» أبو سعد الحضرمي من معتقلات «داعش»، والأخيرة ترد على البيان بمداهمة مقر كان يفترض أن تتسلمه «النصرة» في بلدة سرمدا القريبة من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا. 
فقد وجّه، من يُعتقد أنه أحد قيادات «جبهة النصرة» في مدينة حمص نداء استغاثة إلى من وصفه بـ«شيخنا الغالي وأميرنا المفضال، إلى قائد الموحدين وحكيم المجاهدين الشيخ أبي محمد أيمن الظواهري» زعيم تنظيم «القاعدة». 
وجاء في النداء «رسالتنا إليك يا شيخنا الغالي من حمص عاصمة الشهداء كما نحسبها، فإن سألت عن حالنا فإنه لا يسر محب ولا يغيظ عدو»، مشيراً إلى أن «سبب ذلك ليس من بطش النظام ولا من كثافة الضربات وأوجاعها ولا من قصف البراميل المتفجرة، وإنما من تخاذل الجماعات الإسلامية الذين كنا نحسبهم على العهد وننتظر منهم المدد، وننتظر منهم الزحف لفك الحصار عن حمص وأهلها». 
وفور نشر النداء المصور بدقائق، صدرت عدة مواقف من قيادات كبيرة في «جبهة النصرة» قد تشير سرعة استجابتها وتواترها خلال وقت قصير إلى أن النداء والتجاوب معه ربما كان أمراً مدبراً بليل، حيث أعلن أبو ماريا القحطاني، المسؤول «الشرعي العام لجبهة النصرة وأمير المنطقة الشرقية» وأحد أبرز المتنفذين فيها، «النفير العام» لما أسماه «نصرة المسلمين في حمص»، وطلب من كوادر الجبهة الاستعداد لـ«غزوة» تحرير حمص، قائلاً «أنا أولكم ومعكم». 
ووجه القحطاني، عبر حسابه على «تويتر»، نداءً لأنصاره جاء فيه «إعلان النفير نصرة لأهلنا في حمص: أين عشاق الحُور؟ النصرة النصرة إلى جميع المجاهدين في بلاد الشام، غزوة تحرير حمص، إلى المجاهدين في بلاد الشام، إلى أسود الإسلام: نعلن النفير العام لنصرة أهلنا في حمص (انفروا خفافاً وثقالاً)». 
وكان لافتاً أن يوجه القحطاني نداءه إلى من اسماهم «اسود القوقاز»، قائلا «إلى أسود القوقاز في بلاد الشام، إخوانكم في جبهة النصرة يدعونكم لنصرة إخوانكم في حمص». وقد كانت «جبهة النصرة» تلقت بيعة مهمة خلال الأيام الماضية من سيف الله الشيشاني الذي يقود «جيش الخلافة» المكون من حوالي 200 جهادي شيشاني انفصلوا مؤخراً عن قيادة عمر الشيشاني. 
ومن غير الواضح كيف ستتم ترجمة هذا «النفير العام» على أرض الواقع، لا سيما أنه من المعروف أن عناصر «جبهة النصرة» في حمص قليلون بالنسبة لأعدادهم في مدن أخرى مثل دير الزور وحلب وغيرها، فبينما يقتصر عددهم على المئات في حمص فإن أعدادهم في المدن الأخرى يبلغ الآلاف. كما أن حشد العناصر وإرسالها من المنطقة الشرقية إلى حمص قد يستغرق وقتاً طويلا نسبياً. 
ولكن برز في هذا السياق ما نقله القيادي «الشرعي» في «جبهة النصرة» أبو حسن الكويتي عن المسؤول العسكري العام لـ«جبهة النصرة» بأنه أمر بـ«حشد العناصر في حمص، طالباً إليهم مراجعة مقار جبهة النصرة بناء على فتوى القاضي العام (القحطاني)». وأكد الكويتي أن «هذه أوامر المسؤول العسكري العام أبو سمير الأردني»، ما يعطي دلالة على أن «جبهة النصرة» قد تكون جادة في موضوع «النفير العام»، من دون استبعاد أن يكون الغرض من هذه المناورة لفت الأنظار عن المكان الحقيقي الذي تنوي «النصرة» أن تضرب به. 
من جهة أخرى، فقد تجدد التوتر المكبوت بين «النصرة» و«داعش» على خلفية نشر بيان منسوب إلى الجبهة تطالب فيه بالإفراج عن «أميرها» في الرقة أبو سعد الحضرمي. 
يشار إلى أن الحضرمي، واسمه الحقيقي محمد سعيد العبدالله، ويعرف باسم سعيد الحداد حيث كان يمارس مهنة الحدادة قبل أن يصبح «أميراً»، اختفى منذ 25 أيلول الماضي في منطقة دير حافر أثناء تنقله بين الرقة وحلب، ولم يعرف مصيره منذ ذلك الحين وسط صمت مطبق من الأطراف كافة، فلا «جبهة النصرة» أصدرت بياناً حول الحادثة ولا «داعش» نبس ببنت شفة عن الموضوع. 
ولكن الأمر المميز في الحضرمي أنه «أمير مزدوج» لكل من «جبهة النصرة» و«داعش». فعندما سيطرت الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها «جبهة النصرة» و«أحرار الشام»، على محافظة الرقة في أوائل آذار الماضي، جرى تعيين أبو سعد الحضرمي «أميراً لجبهة النصرة» في الرقة، وبعد شهر واحد وتحديداً في العاشر من نيسان الماضي عندما وقع الخلاف بين زعيم «جبهة النصرة» ابو محمد الجولاني وزعيم «داعش» أبو بكر البغدادي، كان الحضرمي من أوائل من وقفوا إلى جانب البغدادي وأيدوا موقفه في الاندماج بين التنظيمين، فأقره البغدادي على منصبه ليصبح «أمير داعش في الرقة». لكن الحضرمي، وهو سوري الجنسية ومن أبناء الرقة، فوجئ بأن منصبه قد فرّغ من صلاحياته كافة، وأن الحاكم الفعلي للرقة هم قيادات عراقية وغير سورية، مثل أبو لقمان وأبو فيصل وغيرهما، فسارع بعد حوالي شهرين إلى الهرب واللجوء إلى مقر «جبهة النصرة» في مدينة الطبقة بريف الرقة، معلناً انشقاقه عن «داعش» وعودته إلى الجبهة، فأبقاه الجولاني في منصبه «أميراً» للجبهة على الرقة. وقد كان الحضرمي هو من مثّل الجولاني عندما أقدمت بعض الألوية، مثل «لواء المنتصر بالله» و«لواء ثوار الرقة»، على مبايعة «جبهة النصرة»، وربما هذا أحد العوامل التي استفزت «داعش» منه. 
وقد انتشر منذ أيام بيان ممهور باسم «جبهة النصرة»، هو الأول من نوعه حول الحادثة، يوجه الاتهام إلى تنظيم «داعش» باختطاف أبي سعد الحضرمي من دون وجه حق و«غدراً». وطالب البيان «الهيئة الشرعية» والفصائل ووجهاء عشائر الرقة القيام بدورهم وتحمل مسؤولياتهم والعمل على إطلاق سراح الحضرمي. 
وبغض النظر عن صحة البيان من عدمه، كونه لم يصدر عن مؤسسة «المنارة البيضاء»، فقد كان لافتاً أن يأتي تصديق البيان بشكل غير مباشر من عطية الله العكيدي، الذي يشغل منصب نائب أبي ماريا القحطاني المسؤول الشرعي العام وأحد أبرز المقربين إليه، والذي كتب على حسابه على «تويتر» عقب انتشار البيان السابق، «لا يزال أمير جبهة النصرة في الرقة الشيخ ابو سعد الحضرمي مخطوفاً عند جماعة الدولة منذ عدة أشهر من دون سبب». 
ورغم أنه لم يصدر عن «داعش» أي بيان رسمي حول الاتهامات السابقة إليه باختطاف الحضرمي، إلا أن مجموعة من عناصره قامت بمداهمة بلدة سرمدا القريبة من معبر باب الهوى، وقامت بإنزال راية «جبهة النصرة» عن المخفر والمحكمة ورفعت بدلاً عنها رايتها السوداء التي لا تفرق عن راية «النصرة» إلا بالدائرة البيضاء التي تتوسطها، مع العلم أنه لم يكن قد مضى على رفع راية «جبهة النصرة» فوق المخفر والمحكمة في سرمدا سوى ساعات قليلة، حيث كانت الجبهة قد اتفقت مع مسلحي المخفر والمحكمة على ذلك. 
فهل تنتهي قصة «الأمير المزدوج» عند هذه النقطة، لا سيما أن ثمة معلومات شبه مؤكدة تتحدث عن تصفيته من قبل «داعش» بعد أن وجهت إليه تهمة الردة، أم سيظل ملف الحضرمي أحد الملفات العالقة بين الطرفين، والتي يمكن ألا تنتهي إلا بأحداث أخطر من مجرد تصفية «أمير» هنا وقائد هناك.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.