علي قاسم نقلاً عن صحيفة الثورة

في لغة الأرقام ..!
في لغة الأرقام ..!

عادت لغة الأرقام لتحلّ ضيفاً ثقيلاً على مائدة الأزمة، بعد أن مارست حالة من الاستلاب السياسي الواضح تحت ضغط التوظيف المتعمد, بحيث كرّست واقعاً انتقائياً تم اعتماده كقاعدة معلومات في المراحل اللاحقة التي تمارس سطوتها في الخطاب السياسي والإعلامي.
ورغم الفارق في الاستخدام، فإن العودة إلى تداوله على ألسنة مسؤولين أمميين وصولاً إلى بان كي مون وبالتناوب مع جهات أخرى تحمل أكثر من مؤشر على الغاية التي تقف خلفه والدوافع التي يشكلها، خصوصاً حين نتبين أن عملية التوظيف السياسي تستحوذ على القسط الأكبر من الدوافع والخلفيات التي تحدد استخدام الأرقام والاتجاهات العائمة المتروكة في زوايا الاستخدام، والدفع باتجاه صيغ تكون على الأغلب حمّالة أوجه.‏

من هذا المنظور لسنا بوارد التعليق على ما يرد من أرقام حول الأزمة في سورية، وتحديداً من بعض الجهات الدولية والمنظمات العاملة في مجال الخدمات الإنسانية، ولا في مناقشة تناقضاتها التي تدحض مصداقيتها، والأمر ينسحب بالطبع على الكثير من المرجعيات المعتمدة في تلك الأرقام والغايات السياسية التي تقف خلفها، لكن يبدو من الضروري ومن باب وضع الكثير من النقاط على الحروف التائهة في لغة السياسة أن نتوقف عند جملة من المؤشرات التي تحكم عملية استخدام الأرقام، والتي تتدرّج في لائحة استخدامها من الجزئيات اليومية البسيطة ولا تقف عند حدود العناوين المصدّرة إلى الإعلام بشكل متواتر ومدروس في التوقيت والطريقة.‏

غير أنه من باب أولى أن نقف عند الأرقام التي تصدرها بعض الجهات هنا والتي تبدو في جزء منها متسرعة ومستعجلة وتحديداً مايستدل منها غاية في غير موقعها، وهي لا تتبنى معطيات رقمية صحيحة، بقدر ما تعكس مؤشرات تقديرية لا تحمل الدقة المطلوبة لتصدير رقم يصلح للتداول في الإعلام، ويجوز الاعتماد عليه في الخطاب السياسي، ونطمح لأن يكون وسيلة أيضاً للمحاججة حيال سيل الأرقام الواردة من خارج الحدود وداخلها في سياق استدعاء الظواهر المرضية المرافقة لشكل الخطاب الذي يصوّب مباشرة وبالتوازي مع عمل الإرهابيين وتنظيماتهم المسلحة.‏

فالمسألة ليست في سرعة استصدار رقم رغم أهميته في المعيار الإعلامي والسياسي، ولا في سرد معطيات تقود باتجاه أرقام محددة ومتسلسلة في سياق البحث عن قاعدة معلومات مقابلة، إنما في جوهر الغاية من تصدير الرقم إذا ما تجاوزنا «البروباغندا» ومقتضيات المواجهة المفتوحة التي تقتضي العمل على إنتاج جبهة رقمية على الضفة الأخرى تأخذ بالاعتبار المعادلات الناشئة على وقع لغة الأرقام وحساباتها الجزئية والتفصيلية، كما تمارس سياسة التحصين الذاتي من تسلل الرقم الآخر الممهور بألف بعدٍ في السياسة، والمختوم على تفاصيله بحسابات الأجندة الغربية ومطالب الإرهابيين وتمنياتهم.‏

وبالتالي فإن من القضايا الملحة في هذا السياق أن نتعاطى مع القضية من زاويتين متباينتين، لكنهما تقودان إلى النتيجة ذاتها، الأولى من خلال الجديّة والدقة والسرعة في إنتاج رقم مواز لما هو متداول أو مجابه له، والثانية تتعلق بتفاصيل لا يمتلكها الآخر وليس بمقدوره أن يصل إليها وتتمتع بالمصداقية الكافية لخلق رصيد إضافي يمكن أن يكون أحد عوامل القوة وربما أهم عوامل المحاججة.‏

ربما كانت هي كثيرة الأرقام المتداولة والأكثر منها ما نأخذه في سياق الاعتماد عليه كقاعدة بيانات لاحقة، غير أن هذا لا يعفي في نهاية المطاف من إعادة جدولة المعطيات لتكون هي قاعدة البيانات اللاحقة، وليس الرقم السابق لها كما جرت وتجري، خصوصاً في الأرقام الافتراضية التي تتحدث عن مرحلة مضت ولا توجد فيها إحصائية حقيقية، أو تلك التي ترسم قوساً افتراضياً أيضاً لما يمكن العمل عليه للمرحلة اللاحقة من منظور تهيئة الأرضية.‏

لا نريد أن نتوقف عند أمثلة طاغية تبدو للوهلة الأولى خارجة من الضفة الأخرى، ولا عند عناوين وجزئيات يحفل بها الحديث لدى الكثيرين ممن يرسمون افتراضياً الواقع القادم، بل فيما يترتب عليها من تداعيات وهذا يُملي متابعة دقيقة لما ينتج من أرقام بحيث نستطيع أن نعطي تأشيرة المرور للرقم المعمول به، وفي الوقت ذاته نُضفي على أي رقم قادم ومن أي زاوية كان، الكثير من الرصيد السياسي الذي يشكل في نهاية المطاف المعيار العملي للمواجهة القائمة في لغة الأرقام كأحد أوجه المعركة الشرسة القائمة حتى إشعار آخر.‏

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.