فؤاد ابراهيم - صحيفة السفير اللبنانية

السعودية مغفورة الذنب!
السعودية مغفورة الذنب!


لم تعد تكترث لعواقب أفعالها، فهي تفعل ما تشاء ومتى تشاء أياً تكن النتائج، طالما أنها تتحصّن داخل المتعالي (أهل السنة والجماعة).
وإن سئلت عن الجامع المشترك بين تنظيم «القاعدة» والنظام السعودي والمذهب الرسمي، لما عدوت زعم كل منها بكونه الممثل الشرعي والوحيد لأهل السنة والجماعة... وهنا فحسب، يكمن سر استبسال آل سعود في الشهور الماضية لإسقاط حكم «الاخوان» في مصر من أجل سحب ورقة «الاسلام السنّي»، وتقويض فرص عودة الخلافة العثمانية بقيادة أردوغان.
لا يكف أمراء آل سعود عن الاستعمال المفرط لعنوان «أهل السنة والجماعة» قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويرون بأنه يحق لهم ما لا يحق لغيرهم... تقترف السعودية ما يصعب تخيّله، وتتحصن خلف عنوان «أهل السنة والجماعة»، فهي دمغة الحصانة التي تحرم العدو قبل الصديق من المحاسبة... وهنا أيضاً يكمن سر «الفتنة فوبيا» التي تلاحق خصوم السعودية، من غير «أهل السنة والجماعة» على وجه الخصوص، وهو ما تنبّه اليه حلفاء السعودية المعتمدون في لبنان والعراق واليمن وسوريا، فراحوا يشهرون بطريقة مبتذلة إسلامهم على الطريقة السلفية الوهابية، لنيل رضا أولياء النعمة.
ولأننا نعيش أوهن الأزمنة، يبلغ التبجّح حد إعلان أمير سعودي أبعد ما يكون عن فهم معنى (أهل السنة والجماعة)، عن تحالف سني ـ اسرائيلي في مواجهة الشيعة... يصدق في ذلك قول الشاعر:
لقد هزلت حتى بدا من هزالها... كلاها وحتى سامها كل مفلس
حسناً، لا يصدر الأمير السعودي عن خلفية فارغة، فهو يعبّر عن مسار جديد تسلكه السعودية منذ نكوص واشنطن على أعقابها في الميدان السوري، فتفجّر الغضب السعودي مروقاً، ترجم نفسه تنصلاً من كل ما قد يلزم السعودية في المحافل الدولية، أو حتى على مستوى التفاهمات الاقليمية. لا غرابة أن تتوقف الماكينة الديبلوماسية السعودية عن العمل ويصبح الفريق الأمني بقيادة بندر بن سلطان من يمسك بملف السياسة الخارجية.
أما ما يقال عن تحالف سعودي اسرائيلي فلم يعد سراً بعد الآن، فهو الخاتمة التي كان يسعى كلاهما للوصول اليه. كان ديفيد بن غوريون، أحد مؤسسي الكيان الاسرائيلي، وأول رئيس وزراء فيه، قد أفصح ذات لقاء في لندن مع مستشار الملك عبد العزيز، حافظ وهبة، في ثلاثينيات القرن الماضي بأن «آل سعود وحدهم قادرون على التأثير على المصالحة التاريخية بين العرب واليهود في فلسطين»، كما يذكر ذلك ميخائيل كهانوف في كتابه بعنوان «السعودية والصراع في فلسطين» الذي عرض له رئيس «الموساد» الأسبق إفرايم هالفي في تشرين أول الماضي. والكتاب يحتوي على معلومات في غاية الحساسية والخطورة، منها أن السعوديين لم يقدّموا أبداً للعرب في فلسطين مساعدات مالية أو عسكرية، وأن خطط السلام السعودية المتعاقبة التي توجّت بمبادرة الملك عبد الله، ولي العهد حينذاك، والتي عرضت في قمة بيروت في آذار 2002، كانت تستهدف إنهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي.
يقول هـ. إفرايم «دعوني أذكركم أن الخطة السعودية الأصلية لم تذكر على الاطلاق قضية اللاجئين العرب، وأنا أتعجب لماذا؟ هذه كانت سياسة حقيقية في أنقى صورها. وقبل أقل من شهر، قال الأمير سلمان، ولي العهد السعودي علناً، إن سياسة المملكة في الشرق الأوسط تلخصها كلمتان: الأمن والاستقرار. الأمن في الداخل، والاستقرار في الخارج». ويعلق هـ. إفرايم «سيداتي وسادتي، ألا يعكس هذا تماماً ما يبحث عنه رئيس الوزراء نتنياهو؟».
هل من يشعر هنا بوجود خطأ تاريخي؟ أزعم كلا، لأن هالة «أهل السنة والجماعة» تحيط بالدولة. وهل سأل أحدٌ عن سر مصافحة تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات العامة الأسبق، مع داني أيالون، نائب وزير الخارجية الاسرائيلي في مؤتمر ميونيخ في شباط 2010، ومشاركة الأمير نفسه في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، الى جانب يوسي ألفير المستشار الخاص لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو أيضاً أحد أكبر ضباط «الموساد»، في مؤتمر المجلس القومي الايراني الاميركي الذي يديره فلول النظام الشاهنشاهي. ويأتي ـ المؤتمر ـ بعد أقل من إسبوعين على تقرير نشرته جريدة «صنداي تايمز» تقول فيه إن الأمير بندر بن سلطان يعقد لقاءات دورية مع مسؤولين وضباط كبار في الموساد الاسرائيلي، بهدف التنسيق لمواجهة العدو المشترك، وهو ايران.
وهل توقّف أحد عند مقطع الفيديو على الشبكة، يجيب فيه رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو عن سؤال حول العلاقة مع السعودية، فراح يسهب من دون تحفظ في الإشادة بها، ويصل بالعلاقة الى حد التنسيق التام في القضايا المشتركة؟
وفي المعلومات، كشفت صحيفة (معاريف) الاسرائيلية في 25 تشرين أول الماضي عن أن الحرب السرية التي خاضتها «إسرائيل» ضد المشروع النووي الإيراني خلال الأعوام الخمسة الماضية تمَّ تمويلها من قبل كل من الولايات المتحدة والسعودية.
يستدعي ذلك الاضاءة مجدداً على التقرير الاستراتيجي الصادر عن جامعة تل أبيب في نيسان 2012. يلفت التقرير الى نقاط في غاية الأهمية، منها أن الحفاظ على النظام السعودي بات ضرورة وجودية اسرائيلية، ولا بد من بقائه لمواجهة ايران.
يتحدث التقرير عن استياء اسرائيلي سعودي من تخلي واشنطن عن حلفائها، وهذا ما أفضى الى أن تكون «السعودية فجأة دولة قريبة جداً من اسرائيل في قراءة الخريطة الاقليمية ووضع أدلة العمل الاستراتيجي».
ولفت التقرير الى ما أسماه «الاستعداد للمعركة الأخيرة، أي: النضال من أجل بقاء آل سعود»، انطلاقاً من تغيّر جوهري في الصفقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وآل سعود «النفط مقابل الأمن» لسببين: الأول، أن الولايات المتحدة غيّرت سياستها من وجهة نظر الأسرة المالكة، وهي تترك آل سعود يواجهون بأنفسهم تحدياتهم في الداخل والخارج. وثانياً، تُقدِّر السعودية أن فاعلية الولايات المتحدة قد قلّت وبدأت تفكر بمفاهيم عهد ما بعد أميركا.
التقرير في مجمله يؤسس لخلفية الشراكة الاستراتيجية بين الرياض وتل أبيب، وتأكّد ذلك بعد التقارب الايراني الاميركي حيث بدأ العمل المشترك بينهما يكاد يجري في الهواء الطلق، ودون مواربة.
ثمة مساران تعمل عليهما السعودية حالياً وهما: أولاً، تعزيز الخطاب المذهبي المحمول على لافتة «الدفاع عن أهل السنة والجماعة»، وثانياً: بناء شراكة استراتيجية مع اسرائيل. بكلمات أخرى: إن التحالف الاسرائيلي السعودي يمر وينتشر عبر غمامة العداوة لايران.
ولأن السعودية لا تملك أدوات تقليدية تدير بها معاركها، فإنها تلجأ للجماعات الجهادية التي تعمل بمثابة مكاتب تمثيل اقليمية لـ «شركة بلاك ووتر» للمرتزقة الذين يتخذون من العنوان المذهبي شعاراً لحروبهم المقدّسة، فيما يغيب عنوان الصراع العربي الاسرائيلي بصورة شبه كاملة.
ولأن آثامها مغفورة، فلا غضاضة أن تجمع السعودية على طاولة الاجتماعات في غرف العمليات في العاصمة الاردنية، عمّان، ضابط الموساد الاسرائيلي، وأمير الجهاد القاعدي الذي يتقن فن الرطانة المذهبية على طريقة هيئة كبار العلماء في السعودية، ورجال الاستخبارات من عرب وخليجيين.
ترفض السعودية أي حديث في السياسة، فلا صوت يعلو فوق صوت الارهاب بماركته السعودية المسجّلة، الذي يترك بصماته الحمراء في العراق، بحسب وثائق سرية أميركية تعود الى سنة 2009 نشرت في آب الماضي».
توقف الزمن بالديبلوماسية السعودية، ولجأت إلى سياسة جني الارباح السريعة على طريقة «أضرب واهرب». ترى بأن لديها ما يكفي من المال لشراء صكوك الغفران حين تحين ساعة الديبلوماسية، وطي الملفات، ونسيان الماضي، أما الآن فإن المال يتدفق دماءً ودماراً في ميادين الخصوم.
تضيع الحدود الفاصلة بين ما هو سعودي رسمي وما هو «قاعدي»، وإن خطوط تسهيل مرور اليائسين سالكة من الرياض أو صنعاء أو دبي أو حتى قندهار، وهي تلتقي مع مهمة فروع القاعدة بتوفير خدمة إيصال الانتحاريين الى قبورهم، فالدعاة ورؤساء اللجان الشرعية مدججون بفتاوى تسهيل الانتحار على الطريقة الشرعية!
في نهاية المطاف، لا تبحث السعودية في الوقت الراهن عن أصدقاء، ومع وجود أغبياء يديرون دفة نظام حكمها فهي ليست بحاجة الى أعداء.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.