هاني شادي - صحيفة السفير اللبنانية

روسيا ـ الورقة الإيرانية والدرع الصاروخية
روسيا ـ الورقة الإيرانية والدرع الصاروخية

قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، في اجتماع «مجلس روسيا ـ الناتو» (4/12) «إن الاتفاق المؤقت الذي أبرم بين إيران والقوى العالمية للحد من أنشطة إيران النووية يجرد «حلف شمال الأطلسي» من ذريعة الدرع الصاروخية، التي يعتزم نشرها في أوروبا». وبهذا التصريح، يكشف لافروف أحد «الأوراق» التي حرصت روسيا، ولا تزال، على استخدامها في عملية «المقايضة» مع الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي. فمن المعروف أن واشنطن كانت تتعلل بالصواريخ الإيرانية والكورية الشمالية كمبرر لنشر الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية، وهو ما كانت موسكو ترفضه دوماً، على اعتبار أن هذه الدرع ستهدد الأمن القومي الروسي. ولم تفلح رسالة الرئيس باراك أوباما إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين في نيسان 2013، والتي حملها توم دونيلون، مستشار الامن القومي الأميركي، في تبديد المخاوف الروسية. فقد واصل الكرملين مطالبة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بضمانات خطية بأن هذه المنظومة الصاروخية ليست موجهة ضد الأمن القومي الروسي، ولا تهدف إلى شل قدرات الردع النووي الروسي. غير أن واشنطن ترفض، حتى اللحظة، منح روسيا مثل تلك الضمانات. واللافت أيضاً أن الولايات المتحدة الأميركية رفضت مقترحاً روسياً بالتعاون المشترك في إنشاء شبكة صاروخية دفاعية تحمي أوروبا من هجوم افتراضي بالصواريخ.
ونتيجة لهذا الرفض الأميركي ـ الأطلسي قرر بوتين في الأول من نوفمبر 2013 إلغاء فريق العمل المعني بالتعاون مع «حلف شمال الأطلسي» في مجال الدفاع المضاد للصواريخ، والذي كان قد تشكل في العام 2011. إن حل فريق العمل الروسي هذا يمثل، في غالب الظن، أحد ملامح فشل التعاون المشترك بين روسيا والناتو في مجال الدفاع الصاروخي، خاصة أنه بدأ أخيراً العمل في إنشاء قاعدة لصواريخ اعتراضية أميركية في رومانيا، وهي قاعدة تابعة لشبكة الدفاعات المضادة للصواريخ الأميركية ـ الأطلسية المقرر نشرها في أوروبا. في الوقت نفسه رفض الكرملين مبادرة أميركية طرحها الرئيس أوباما لتوقيع اتفاقية جديدة لمواصلة تقليص مخزون الأسلحة النووية الهجومية. وعلل الكرملين هذا الرفض بأن الولايات المتحدة الأميركية تواصل العمل بمشروع الدرع الصاروخية وتطور أسلحة أخرى غير نووية، وترفض المصادقة على معاهدة حظر التجارب النووية وتخطط لإمكانية نشر أسلحة في الفضاء. وطالبت موسكو بوضع كل هذه المسائل على طاولة المفاوضات بينها وبين واشنطن.
وفي هذا السياق، وأثناء مؤتمر بموسكو للأمن في أوروبا في شهر يوليو/ تموز 2013، أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، الجنرال فاليري غيراسيموف صراحة أن روسيا لن تقلص مخزون أسلحتها النووية الهجومية إلا عندما تكون واثقة من أن قوتها النووية الرادعة ليست مستهدفة من قبل منظومة الدفاعات الصاروخية الأميركية، مكررا أن روسيا ترى أنه من الضروري أن تعطي الولايات المتحدة ضمانات قانونية بأن الصواريخ الاعتراضية الأميركية المقرر نشرها في الأراضي الأوروبية لا تستهدف صواريخ القوات النووية الروسية. وحذر الجنرال الروسي من أنه لا يمكن أن تستمر روسيا في نزع أسلحتها النووية الهجومية طبقاً لاتفاقها مع الولايات المتحدة بتقليص مخزون الأسلحة الإستراتيجية الهجومية، إلا عندما تكون واثقة من أن تطوير منظومة الدفاعات الصاروخية الأميركية لا يقلل قوتها النووية الرادعة. وفي الحقيقة، لم يكن من الممكن أن تقبل موسكو بمبادرة أوباما بإجراء تقليص جديد للأسلحة الإستراتيجية الهجومية، وهي ترى مشروع الدرع الصاروخية الأميركية يسير على قدم وساق، وترى أيضا واشنطن وهي تطور أسلحة غير نووية دقيقة التصويب. فالتفوق في مجال الأسلحة دقيقة التصويب، يسمح للولايات المتحدة بتخفيض ما تملكه من الأسلحة النووية من دون أن تقلل قدرتها العسكرية.
وكانت جولة من المباحثات المتعلقة بنشر شبكة الدفاعات الصاروخية الأميركية في أوروبا قد جرت بين روسيا والولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في آب من العام الجاري، لكنها لم تتوصل إلى نتائج مثمرة، كما أعلن في حينه نائب وزير الدفاع الروسي أناتولي أنطونوف. وبعد هذه الجولة صرح أنطونوف قائلا «إنهم يواصلون العمل في مشروع الدرع الصاروخية الذي يتنافى مع ضرورة الحفاظ على التكافؤ النووي بين روسيا والولايات المتحدة، ذلك التكافؤ الذي مكننا من تجنب الحرب النووية حتى الآن». وبهذا الشكل، لم يكن أمام موسكو إلا أن تنفق المزيد من الأموال على تحديث أسلحتها وإنتاج أسلحة جديدة قادرة على اختراق الدرع الصاروخية الأميركية الأطلسية. ولذلك أعلنت روسيا أنها حصلت على ما يجعلها قادرة على اختراق منظومة الدفاعات الصاروخية التي تقوم الولايات المتحدة الأميركية بإنشائها في أوروبا، في إشارة واضحة لتطويرها أنواع حديثة من الصواريخ القادرة على اختراق الدرع الأميركية. وأكد الكرملين أيضا أن منظومة الصواريخ الحديثة من طراز «اس 500» للدفاع الجوي والفضائي، قيد التصنيع، ستدخل في تشكيلة الدفاعات الصاروخية الروسية، مشيراً إلى أن وحدات من هذه المنظومة سيجري نشرها في منطقة القطب الشمالي. ومن المعلوم أن صواريخ «اس ـ 500» لا يمكنها تنفيذ مهام الدفاع الجوي فحسب، بل والدفاع المضاد للصواريخ. بجانب ذلك بدأت روسيا في إنتاج أجيال جديدة من الرادارات لحماية نفسها من الدرع الصاروخية الأميركية الأطلسية، فضلا عن تسلُم القوات المسلحة الروسية خلال الأيام القليلة الماضية صواريخ «اس ـ 400» للدفاع الجوي. علاوة على ذلك بدأت موسكو في استخدام «الشريك الصيني»، مستغلة التوتر الحادث بين بكين من ناحية، وطوكيو وواشنطن من الناحية الأخرى حول توسيع الصين لمجال دفاعاتها الجوية لتشمل الجزر المتنازع عليها مع اليابان. فقد أعلن نائب وزير الدفاع الروسي، أناتولي أنطونوف (29/11/2013) أن الصين تقف مع روسيا ضد الخطط الأميركية الخاصة بالدفاعات المضادة للصواريخ.
بالرغم من اللهجة التصعيدية أحياناً من قبل المسؤولين الروس في ما يتعلق بالدرع الصاروخية الأميركية الأطلسية، فإن موسكو تترك الأبواب مفتوحة دائماً أمام تفاهمات مع الغرب بهذا الشأن. فالروس يتذكرون جيداً أن سباق التسلح مع الولايات المتحدة وحلفائها، كان أحد أسباب إنهاك الاتحاد السوفياتي وتفككه وانهياره. ولذلك يعتقد «صانع السياسة الروسية» أن أوراقاً إيرانية وسورية وغيرها قد تمثل قسماً من أوراق أخرى في التفاوض مع واشنطن حول الدرع الصاروخية ومنظومة الأمن في أوروبا.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.