فراس الشوفي - صحيفة الأخبار اللبنانية

دروز لبنان والتكفيريون نجحت قناعة السويداء
دروز لبنان والتكفيريون نجحت قناعة السويداء

لم يعد في إمكان أحد في طائفة الموحّدين الدروز أن يُنكر حال الترقّب والقلق التي تنتاب شريحة واسعة من أبناء هذه الطائفة في لبنان. لم يصل هذا القلق الى مرحلة البحث الوجودي عن مصير الطائفة، في ظلّ الصراع الدولي في المنطقة، إلّا أن الحديث عن أخطار التكفير والقوى المتطرفة، بات يجسّد هذا الخوف إلى حدٍّ كبير، وخصوصاً مع ازدياد المخاطر الأمنية في لبنان، وتزايد حال العداء التي يبديها إرهابيو الجماعات التكفيرية في سوريا تجاه من يخالفهم الرأي في مختلف الطوائف، وتجاه الدروز السوريين تحديداً.
وبمعزل عمّا يردّده النائب وليد جنبلاط، عن مسؤولية النظام السوري في «عسكرة الثورة السورية»، أو «إطلاق يدّ التكفيريين لتشويه الثورة»، تبدو أخبار الأقرباء خلف الحدود عند القابعين هنا خلف الشاشات، أصدق إنباءً وأكثر واقعيّةً بأن ما أفرزته «الثورة» يمثل تهديداً جدياً للدروز. وهذا « التهديد الآن في جبل الشيخ والسويداء وجرمانا وإدلب، وفي المستقبل ... في لبنان».
لا شكّ في أن جنبلاط قطع شوطاً طويلاً في الآونة الأخيرة. أين كان قبل سنتين، وأين أصبح الآن؟ هل يُصدق أحد أن الرجل الذي أقام مأتماً للمنشقّ عن الجيش السوري خلدون زين الدين، هو نفسه الذي قدّم التعزية للوزير حسين الحاج حسن بابن شقيقه الذي سقط على أرض سوريا؟ لم ينجح رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في جرّ دروز سوريا إلى موقعه السابق في ضفة العداء لنظامها، وخسر رهانه على إسقاط النظام السوري، بينما نجحت قناعة السويداء.
قبل أحداث 7 أيار بقليل، وفي الأعوام التي تلتها، نشأت حال من العداء تجاه حزب الله في بعض قرى عاليه والشوف، وعلى نحو أقل بكثير في راشيا وحاصبيا، وخصوصاً عند عدد من المشايخ. وبني هذا العداء على شائعات مفادها بأن حزب الله يريد احتلال الجبل، وقتال الدروز في قراهم، إضافةً إلى المناوشات التي وقعت يوم 11 أيار بين مناصري الاشتراكي وحزب الله. شيئاً فشيئاً، خفَتَ العداء تجاه حزب الله، على ما تؤكّد مصادر الاشتراكي وقوى 8 آذار في الجبل على حدٍّ سواء، وكذلك عدد من المشايخ الفاعلين في عاليه والجرد والشوف، كما ثبت بالتجربة أن حزب الله ليس خطراً على الدروز، بل أكثر من ذلك، بدأت بعض الأصوات بالمجاهرة بالدفاع عن مشاركة حزب الله في المعارك السورية. بينما ثبت بالتجربة، لا بالشائعة، أن الجماعات التكفيرية تمثل خطراً على النسيج الاجتماعي أينما حلّت، وهي تقتل الدروز في في عرنة وحضر وأطراف السويداء وتقصف جرمانا بقذائف الهاون وترسل السيارات المفخخة إليها. وآخر الصيحات، إجبار دروز إدلب (يقطنون 14 قرية، ولا يتجاوز عددهم 30 ألفاً) على حفّ الشوارب للذكور وارتداء الثياب «الشرعية» التي قرّرتها «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
في 2 آب 2009، أعلن جنبلاط وقوفه إلى جانب سوريا والمقاومة بعد عداء. سبق جنبلاط يومها جمهوره الذي لم يكن مستعداً لهذه النقلة. أما اليوم، فجمهور جنبلاط يسبقه في العداء للجماعات التكفيرية، حتى إن عدداً من المقاتلين الاشتراكيين السابقين، ممن خاضوا معارك الجبل، أبلغ مقربين من سوريا في عاليه استعدادهم للذهاب إلى جبل الشيخ وخوض المعارك ضد التكفيريين.
الحديث عن زيارة جنبلاط لدمشق، أو حتى الحديث عن اتصال مباشر مع القيادة السورية، سابق لأوانه، لكن هذا لا يعني أن قنوات التواصل مسدودة. فسوريا، بحسب مصدر بارز من حلفائها اللبنانيين، «لن تسامح من حرّض على سفك الدم السوري، وهذه قناعة عند الرئيس بشار الأسد والقيادة والشعب السوري، لا موقف شخصي تجاه جنبلاط، وليس هناك تسويات بالمجان، لكن في الوقت نفسه، سوريا لا تغلق أبوابها في وجه المختارة بمعزل عمّن يسكنها، ولا شكّ أن دمشق ترحب بتيمور جنبلاط».
النموذج الجنبلاطي الجديد، واكبته خطوة هي الأولى من نوعها لرئيس الحزب الديموقراطي اللبناني النائب طلال أرسلان. «زار المير السويداء في التوقيت السياسي المناسب» تقول مصادر الديموقراطي، إذ التقى، يرافقه شيخ العقل ناصر الدين الغريب ووفد من الشخصيات الدرزية اللبنانية، مشايخ العقل في سوريا في منزل الشيخ حكمت الهجري في بلدة قنوات، وقرأ وثيقة وصفها المجتمعون بـ« التاريخية». وأشارت مصادر مطلعة في على اللقاء في السويداء وجولة أرسلان الى أن «ما حصل هو تأكيد على ثوابت السويداء التي نلتقي عليها مع الدار الأرسلانية، وهي الوقوف إلى جانب الدولة والجيش السوري والقيادة الحكيمة للرئيس بشار الأسد، والعداء لإسرائيل وتحرير الجولان ورفض أي شكل من أشكال التقسيم الطائفي، وأن القضية الفلسطينية هي محور الصراع العربي ــ الإسرائيلي ».
وقالت مصادر مطلّعة في قوى 8 آذار في الجبل إن «زيارة أرسلان تركت انطباعات إيجابية في السويداء ولبنان. الوثيقة نعم تاريخية، وما صدر فيها سيرسم دور الدروز في المرحلة المقبلة في الدفاع عن وحدة سوريا والمنطقة».
هي مرحلة جديدة إذاً، تؤكّد ما بات يردده جنبلاط عن أن «الحدود سقطت بين لبنان وسوريا»، وأن الربط بين البلدين سيرخي بظلال ثقيلة على توازنات الدروز السياسية التقليدية في لبنان. يبقى أن تمرّ الأيام المقبلة، ويأخذ الموقف الجنبلاطي شكله الجديد، بصورته الواضحة، وهو ليس بالأمر الصعب، سبق أن فعلها جنبلاط.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.