سامي كليب - صحيفة الأخبار اللبنانية

خيوط اللعبة | لبنان وسورية حرب أهلية واحدة
خيوط اللعبة | لبنان وسورية حرب أهلية واحدة

سقطت سياسة النأي بالنفس. عاد لبنان وسورية يتوحّدان أكثر من أي وقت مضى، لكن هذه المرة بالدم. باتت الساحة اللبنانية مفتوحة على كل الارتدادات السورية. لا شيء يشير الى احتمال السيطرة على الحريق الذي اندلع في الشمال. لا خطة تستطيع وقف التفجيرات في بيروت وغيرها. لا أفق يوحي بحكومة قريبة او انتخابات رئاسية. كل ما يقال عكس ذلك هو كمن يستخدم الأسبيرين لمعالجة السرطان.
المعلومات المتبادلة بين اجهزة أمنية لبنانية وسورية وغربية مخيفة. مئات المسلحين التكفيريين ينتشرون على الاراضي اللبنانية. الخلايا غير مرتبطة ببعضها البعض. هذا يعني أن القبض على خلية لا يعني بالضرورة الوصول الى الآخرين. جزء من هؤلاء التكفيريين دخل لبنان للذهاب منه الى سوريا، لكنه آثر البقاء لضرورات أمنية. بعضهم الآخر دخل من سوريا، وبعضهم الثالث تدرب في لبنان وفي المخيمات.
الاطار العام في المنطقة يمهّد لتوسيع رقعة الحرب. مطلوب، أكثر من أي وقت مضى، اقتتال بين حزب الله وتيارات سلفية. انتقل الأمر من الهجوم الكلامي الى تفجير السيارات فالاغتيالات. كل معلومات الحزب تشير الى ان اسرائيل هي التي اغتالت القيادي المقاوم حسان هولو اللقيس. اسرائيل نفت. سارع الحزب الى اتهام السلطات الاسرائيلية. لم ينتظر تحقيقاً. ربما بات يعرف، من خلال خبرته الطويلة، بصمات اسرائيل. لكنه، على الأرجح، أراد ايضاً وأد الفتنة. النفوس المشحونة جاهزة لتحويل أي أمر الى اقتتال مذهبي.
في السياسة الاشتباك مقلق. لا تمر ساعات قليلة على الاتهامات المباشرة التي ساقها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ضد السعودية، حتى يتصدى لها رئيس الجمهورية اللبنانية. خطاب الرئيس استمرار في التخندق. أعقبت الخطاب سلسلة من التصريحات والمواقف من قيادات حزب الله وحلفاء سوريا في لبنان تنهي أي أمل باحتمال التمديد او التجديد لسليمان.
في الأشهر القليلة التي تسبق انتهاء ولاية أي رئيس في لبنان يفتح البازار على مصراعيه وكذلك تفتح النار. في هذا البازار كان استياء واضح قبل فترة من النائب وليد جنبلاط حيال رئيس الوزراء السابق سعد الحريري. رئيس تيار المستقبل كان متمسكاً بترشيح رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع لرئاسة الجمهورية. كان ثمة شعور بأن السعودية ربما تريد هي الاخرى ذلك. كل الدلائل تشير الى ان جعجع يتصرف الآن في ضوء هذا الاحتمال. قال، صراحة، ان المطلوب حالياً رئيس قوي. على الارجح أنه لا يرى قوياً غيره. لعل ميشال سليمان حصل على وعد من السعودية بعكس ذلك. لا شيء مؤكداً.
ما يجري بين الرئيس اللبناني وخصومه انعكاس واضح للصراع المتفاقم بين السعودية وخصومها. في هذا الصراع لا تمانع ايران بشيء من التمايز بين موقفها الداعي الى الانفتاح على المملكة وبين موقف السيد نصرالله الحامل كل الاتهامات للسعودية من العراق الى لبنان.
يسعى محور روسيا ــــ ايران ــــ سوريا الى طوق دبلوماسي للضغط على الرياض. يستقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الامير بندر بن سلطان. منذ اللقاء السابق بينهما اتفقا على استمرار اللقاءات. تدرك موسكو ان أمير الجبهات قادر على أن يصبح أمير التسويات. الرجل براغماتي الى اقصى حدود وفق توصيف بعض عارفيه ومنهم روس. يفاوض على كل شيء، مستعد لكل شيء، لا يمانع أن تساعده روسيا مع الاميركيين حتى داخل السعودية حيث الصراع على القيادة مستعر. بوتين براغماتي أيضا. لا شيء يدفعه لاستقبال الامير بندر، عدو حليفيه السوري والايراني، سوى الرغبة في تغيير مجرى الرياح. الامير خطير عسكرياً، لكنه أقل خطراً من بعض الامراء الرافعين لواء اسقاط الرئيس بشار الاسد وضرب ايران واغراقها مع حزب الله في فتنة مذهبية مهما كان الثمن والطريقة الى ذلك.
في هذا الطوق، أيضاً، تنسيق شبه يومي بين روسيا وايران. يكفي أن ينظر المرء الى الحركة الدبلوماسية النشطة لوزير الخارجية محمد جواد ظريف صوب دول الخليج. يزور معظمها او يستقبل بعض قادتها. في الوقت نفسه تفرش طهران السجاد الأحمر للحليف العراقي رئيس الوزراء نوري المالكي. ترشح معلومات جدية عن استياء خليجي من الدور السعودي. تشبه هذه المعلومات ما كان يقال في فترة معينة عن قطر. لا يتردد مسؤول خليجي في القول انه لا يجوز بعد الاتفاق الايراني ــــ الغربي الاستمرار بالتعامل مع ايران كأن شيئاً لم يكن. يحكى عن وساطات متقدمة جداً من عمان الى الكويت فالامارات. جميع هذه الدول راغبة بلقاء ايراني ــــ سعودي رغم ضغوط الرياض. موسكو نفسها غير بعيدة عن خط الوساطة. لعل الامير بندر سمع من بوتين نفسه كلاماً مفاده ضرورة التوصل الى تفاهم مع ايران. ان لم تفعل السعودية فقد تخسر لأن قطار التفاهمات الدولية يسير في اتجاه آخر. هكذا يتحدث بوتين منذ فترة.
في هذا الطوق، أيضاً، تتعمّد سوريا الاعلان على لسان وزير اعلامها عمران الزعبي (عبر «الميادين») أن الرئيس الاسد هو قائد المرحلة الانتقالية. ترد بذلك على كل الذين يضعون تنحيه شرطاً للذهاب الى جنيف. ما كانت دمشق لتقول ذلك لولا ان وفدها الذي زار موسكو قبل فترة قصيرة عاد بتطمينات.
في موازاة ذلك، يشتد القتال في سوريا. لا شيء يشير الى تغيير قريب في المعادلات. لا يزال السماح بذلك خاضعاً لحسابات دقيقة. لا بد اذاً من بؤرة نار اكثر فائدة في الوقت الراهن. لبنان ممتاز لذلك. ساسته محترفون في تحويله الى وقود في لعبة الكبار. هي لعبة أمم بامتياز تحرق، مرة جديدة، الوطن الذي ما عرف يوما نأياً بالنفس سوى... بالكلام.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.