عماد الدين رائف - صحيفة السفير اللبنانية

قوقازيّو سوريا.. لا عودة إلى الديار
قوقازيّو سوريا.. لا عودة إلى الديار

التعديلات القانونية في روسيا الاتحادية، التي تنصّ على تطبيق عقوبة السجن بحق المواطنين الروس المشاركين في النزاعات المسلحة في الخارج، والتي بدأ البحث فيها قبل شهرين، أخذت طريقها إلى التطبيق قبل أيام. آلاف المقاتلين الإسلاميين الذين توجّهوا خلال العامين المنصرمين إلى الأراضي السورية تحت شعارات «جهادية»، سيجدون أنفسهم خلف القضبان في حال قرروا العودة إلى جمهورياتهم الإسلامية، التي تتمتع بالحكم الذاتي داخل حدود الاتحاد الفدرالي الروسي.
فعلى قاعدة «دخول الحمام ليس كالخروج منه»، تحاول الإدارة الروسية تضييق الخناق على المتشددين، الذين وجدوا في الأراضي السورية ساحة مفتوحة لجهادهم، في ظل حملة أمنية وعسكرية شرسة تخوضها القوات الخاصة الروسية للسنة الثالثة، على أراضي شمال القوقاز، أو كما يسمّيها الإسلاميون بـ«إمارة القوقاز».
من جهتها، تسعى دول آسيا الوسطى الإسلامية إلى التشدّد في قوانينها أسوة بالإدارة الروسية، حيث تسيطر موجة كبيرة من التطرف في صفوف الشباب، في كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان وقرغيزستان. ويتنامى الشعور بالغبن في أوساط الشباب خارج العواصم والمدن الرئيسة، نظراً إلى أشكال الحكم المسيطرة، والطبقة السياسية الموروثة من العهد السوفياتي السابق، مع تباطؤ التنمية في معظمها، إذا ما استثنينا كازاخستان. ويعبر آلاف الشبان في تلك الدول عن إحساسهم الكبير باليأس من الأنظمة لديهم، وبضرورة «الجهاد» جهاراً، عبر شبكات التواصل الاجتماعي الناطقة بالروسية، أو الموجهة إلى دول الاتحاد السوفياتي السابق، وأهمها «ف كونتاكتي»، و«أدنوكلاسنيكي»، اللتان تضمان الملايين منهم. وتزداد في الآونة الأخيرة «المباركات» لعمليات عسكرية، تقوم بها مجموعات مسلحة قوقازية على الأراضي السورية، ما يؤشر على احتمالات انضمام عدد من شبان تلك البلدان إلى مجموعات إرهابية خارج الحدود.
إلا أن المعضلة تأخذ طابعاً آخر داخل حدود الاتحاد الفدرالي الروسي. فالتركيز الإعلامي على القوقاز، بات ضرورة لأن معظم المقاتلين يتحدّرون من هذه المنطقة، وهي تضمّ إضافة إلى داغستان، جمهوريات ذاتية الحكم، تصدّر نسبة كبيرة من «الجهاديين»، فالشيشان التي تشهد هدوءاً نسبياً بعد حربين مدمرتين، في ظل حكم موالٍ لموسكو، تصدّر مقاتليها عبر الجبال إلى داغستان، وإلى كابردينا ـ بلقاريا. كما أن عدداً كبيراً من شبان تلك البلدان انضووا في المجموعات المقاتلة المناوئة لروسيا، قبل أن يتوجهوا جنوباً عبر تركيا إلى الشمال السوري ليمارسوا نشاطهم ضد النظام السوري بشكل علني. وهدفهم المعلن إقامة دولة إسلامية على الأراضي السورية، و«تطبيق الشريعة الإسلامية». وهم بالدرجة الأولى المعنيون بالتعديلات القانونية، إلى جانب إسلاميين من الشمال، لاسيما من جمهورية تتارستان.
وبعد إدخال التعديلات، باتت المادة 208 من القانون الجنائي الروسي، «تنظيم تشكيلات مسلحة غير شرعية أو المشاركة فيها»، تعاقب على «المشاركة في تشكيلات مسلحة غير شرعية في أراضي دول أخرى بأغراض تتعارض مع مصالح روسيا». وتقضي التعديلات بإمكانية فرض عقوبة السجن لمدة تصل إلى ست سنوات على المواطنين الروس، الذين شاركوا في نزاعات مسلحة في الخارج.
التخلص من المقاتلين المتشدّدين، الذين حظي معظمهم على الأراضي السورية بتدريبات ميدانية، من الممكن أن تشكل أخطاراً أمنية جدية في روسيا، هو مطلب روسي ملحّ. ذلك في وقت يشهد القوقاز وشماله حرباً حقيقية تتمثل بهجومات مدروسة على نقاط الشرطة ومراكزها، وفي تفجير عبوات ناسفة بسيارات، وانتحاريين يقودهم «جهادهم» إلى نسف أنفسهم بتجمعات مدنية وعسكرية. وبذلك تكون روسيا قد أصابت عصفورين بحجر واحد. فهي ضمنت أن العدد الأكبر من المقاتلين لن يرجع إلى ساحة «الجهاد» الداخلية من جهة، و أن معظم المقاتلين سيقضون على الأراضي السورية في ظل تقدّم ملحوظ لقوات النظام السوري، مدعوماً لوجستياً وعسكرياً من روسيا، في المعارك الدائرة في شمال البلاد، وخاصة في محافظة حلب، التي تضم أولئك المقاتلين.
وكان النائب الأول لمدير جهاز الأمن الفدرالي الروسي سيرغي سميرنوف قد أعلن في نهاية أيلول الماضي، أن مئات من المواطنين الروس في صفوف المعارضة المسلحة السورية. وأشار إلى عدم وجود أعراف قانونية تسمح بمحاسبة هؤلاء «الإرهابيين المهاجرين». مئات المواطنين الروس عبروا الحدود الجنوبية بشكل نظامي كسيّاح، فيما تشير تقارير إلى استقدام الآلاف عبر جبال القوقاز الجنوبية بشكل غير شرعي، إلى معسكرات التدريب، لينخرطوا في مجموعات قتالية ذات مسمّيات قوقازية، ترتبط بشكل مباشر بدوكو عمروف، الذي نصّب نفسه أميراً على «إمارة القوقاز».
وقالت مصادر في الأجهزة الروسية إنه بإمكانها رصد من يغادر الأراضي الروسية للمشاركة في النزاع في سوريا. وذكرت أنهم يتجهون إلى سوريا عبر الأراضي التركية التي يصلون إليها كسيّاح. كما تنص التعديلات القانونية على المسؤولية الجنائية عن التدرب على النشاط الإرهابي. ويذكر أن التعديلات القانونية تمت المصادقة عليها في مجلس الدوما الروسي، في 25 تشرين الأول الماضي، وبعد ذلك صادق عليها مجلس الاتحاد ووقعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
في المقابل، تصر القنوات الإعلامية الإلكترونية المناوئة لروسيا الاتحادية، وتلك المتحدثة باسم الجماعات الإرهابية في شمال القوقاز، وفي الجمهوريات الإسلامية التي تتمتع بالحكم الذاتي داخل الاتحاد الفدرالي، على دور أكبر للقوات العسكرية الروسية على الأراضي السورية. وبالتزامن مع سريان مفعول التعديلات القانونية، تكثف بث صور تدعي أنها لوحدات من الجيش الروسي والقوات الخاصة، تشارك ميدانياً في القتال على الأراضي السورية. وتحاول أن تخلق بذلك «واقعاً» إعلامياً، يصب في خانة تسعير الصراع الدائر في شمال القوقاز، وترغيب آلاف الشبان في الانخراط فيه، تحت عنوان «نصرة المجاهدين».
التضييق على المقاتلين لعدم عودتهم إلى روسيا الاتحادية من جهة، والتضييق على عائلات وأقارب المقاتلين داخل الحدود الروسية، عبر إجبارهم على التعويض مالياً على ذوي ضحايا العمليات المسلحة والتفجيرات التي يقوم بها الإسلاميون، يؤشران على مرحلة مقبلة شديدة الحساسية، في منطقة القوقاز التي لم تشهد هدوءاً فعلياً منذ انتهاء الحقبة السوفياتية. ويبقى مصير المقاتلين على الأراضي السورية أحد ثلاثة احتمالات وفق المراقبين، إما أن يقضوا في «جهادهم» هناك، وإما أن يعودوا متسللين ليزيدوا من إرباك الساحة القوقازية بعد اكتسابهم مهارات قتالية مهمة في الحرب السورية، والاحتمال الثالث هو انخراط النخبة منهم، في منظمات المرتزقة الدولية، التي تجد من ساحات الحروب المتنقلة في منطقتنا مسرحاً لعملياتها.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.