ميسر السردية - نائبة أردنية

قدّيسة ثوّار العالم
قدّيسة ثوّار العالم

جميلة صرخت في طابور الصباح وقالت «أمنا الجزائر»، فأخرجها ناظر المدرسة الفرنسي وعاقبها لأنها رفضت أن تقول كباقي التلاميذ: فرنسا أمنا. هكذا كانت معلمتي تتجول أثناء حصة التاريخ وتحدثنا عن بطولة جميلة بوحيرد، قديسة الثائرات في العالم. كان ذلك عندما كانت المدارس العربية والمناهج التعليمية تربّي الجيل على قصص البطولة والشرف ومقاومة الاستعمار كي تزرع في نفوسنا الثقة بماضينا، وتشحن فينا الهمم لمواجهة المستقبل.
لم تمر جميلة بوحيرد مرور الكرام في المنهج، بل رحنا نطارد كل خبر وقصة وذكرى وفيلم ومسلسل ولقاء يتعلق بها، ذلك أنّ الرمز يفرض نفسه، واسقاطاته على الاجيال، وما أعظم أن تكون الرمز للأنثى أنثى أخرى، فإذا كان للرجال رموزهم التي يحتذونها، فلي أيضاً كأنثى سلالتي من الرموز الانثوية التي تحفر في عمق الوجدان. وما أروعه من ارث قد يبدأ من بلقيس فالعذراء مريم وزنوبيا تدمر حتى جميلة بوحيرد قديسة الثائرات في العالم.
ككلّ الثوار وكديدن الأحرار التحقت جميلة بثورة الجزائر، ولكن ما لم يعرفه كثيرون أنّ للأنثى طعماً آخر في الثورة، وقد يكون علم النفس حتى الآن لم يفصل في هذا المعنى، وقد تكون ثورة النساء أصعب الثورات وأقواها. فنحن معشر النساء لا نستطيع الرجوع إلى المربع الأول، ولا نمتلك القدرة على الانسحاب أو المهادنة أو التكتيك لتحقيق المكاسب الانتهازية. وهذا ما حدث لجميلة عندما أصبحت المطلوب رقم واحد للاستعمار الفرنسي، وذلك ما قالته لهم عندما قنصوها برصاصاتهم: «أعرف أنكم سوف تحكمون عليّ بالإعدام، ولكن لا تنسوا أنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم، ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة
مستقلة».
حقيقة لم يمنعوا الجزائر من أن تكون حرة، فبعد أن ثار العالم على حكم اعدام صوري كانت تعتبره شرفاً لها، عادت جميلة إلى وطنها، ولم تحاول كتجار الثورات أن تقنص فرصة هنا وهناك لمنصب يجعلها دائماً تحت الأضواء. ورغم محاولتها امتطاء الغيم دائماً كي تتوارى وتعيش كباقي ملايين الجزائريين، ظلت الذاكرة العربية تطارد جميلة في كل لحظاتها، لا لشيء، فقط لأنها ثائرة طاهرة، بقي جرحها ينز عنفواناً وشرفاً وعفافاً. حتى فرضت صورتها النقية في كل الأماكن.
أينما حلت جميلة بوحيرد تكرم، وأينما اصطاد عربياً لقاء عابراً، حاول التقاط لحظة تذكارية معها يشعر بها أنه أيضاً سيدخل التاريخ، وهو يضم صورتها إلى جانب صور أحبائه. ومع كل احتفالية تكريم للثائرة القديسة الرافضة لكلّ المؤامرات المحاكة ضد أمتها العربية، وهي الثائرة التي لم تثر وأبناء الجزائر بعد ما يزيد على قرن ونيف من الاحتلال الفرنسي لوطنها بناء على فتوى دينية أو مذهبية أو طائفية. ولا أظن أحداً يجرؤ أن يزاود على نبل مواقفها وعظمة تضحياتها. يجيء أسبوع تكريم جميلة في بيروت، منبر الحرية والمقاومة والوفاء للمشروع العربي كشعار يرفعه الأحرار في وجة ثورات العبث والدنس والتقسيم والخبث، الذي يراد للعرب بشكل عام ولأهل بلاد الشام خاصة.
جميلة، ستظل مزناً لا ينقطع مداده العربي، ورئة معنوية للمقاومة، ومرآة ننظر إليها كل صباح كي ننطلق نحن شباب هذه الأمه بمهمتها في وجة الاستعمار الأبشع والأخطر... استعمار العقول المقفلة، استعمار الحوريات، استعمار رجال مفتيي السلاطين، استعمار القتل والتدمير الذاتي.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.