عبد الباري عطوان

"القاعدة" تصل الضفة الغربية؟ ولم لا.. في ظل الحرب السورية و"هدنة" حماس.. وفشل رهان عباس
"القاعدة" تصل الضفة الغربية؟ ولم لا.. في ظل الحرب السورية و"هدنة" حماس.. وفشل رهان عباس

السؤال الذي يطرحه دائما المنتقدون لتنظيم “القاعدة” والجماعات الاسلامية المتشددة التي تتبنى عقيدته، هو عن اسباب عدم قيام هؤلاء بعمليات عسكرية ضد اهداف اسرائيلية داخل الاراض الفلسطينية المحتلة وخارجها، وذهب بعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مثل “الفيسبوك” و”التويتر” و”الانترنت” الى درجة التشكيك في وجود اي نوايا لدى التنظيم في هذا الخصوص، والقول بان كل عملياته تستهدف عربا ومسلمين بالاشارة الى ما يجري في سورية والعراق وليبيا والمغرب الاسلامي عموما، بل وذهبوا الى ما هو ابعد من ذلك والحديث عن “علاقة ما” بين الجانبين وهو امر من الصعب تصديقه.

بالأمس اعلن “مجلس شوري المجاهدين” التابع لتنظيم “القاعدة” في بيان له ان الشباب الثلاثة الذين قتلهم الجيش الاسرائيلي في مدينة الخليل يوم الثلاثاء الماضي هم اعضاء في خلية تابعة له، واضاف على موقعه على الانترنت “نبشر الامة، ونحن نزف هذه الكوكبة، انه بفضل الله تعالى اصبح لمنهج الجهاد العالمي في “ضفة العزة” موضع قدم بعد ان سعى الجميع لافشال كل بذرة تزرع هناك”، وقال مسؤول في “الشين بيت” (الامن الداخلي الاسرائيلي) “ان شبكة المتشددين اقامت ملاذا آمنا في الضفة الغربية وكانت تقوم بتخزين اسلحة وتخطط لتنفيذ هجمات ضد اهداف اسرائيلية وضد السلطة الفلسطينية”.

هذه البيانات والمعلومات ان صحت، وهي تبدو صحيحة، ستشكل صدمة للجانبين الفلسطيني (السلطة) والاسرائيلي معا، لان وصول تنظيم “القاعدة” الى الضفة الغربية المحتلة يشكل اختراقا امنيا على درجة كبيرة من الخطورة، ستكون له تداعياته لانه يعني عمليات استشهادية وسيارات مفخخة بالنظر الى تجارب تنظيم القاعدة في اماكن اخرى.
شخصيا لا استبعد هذا الاختراق، واعتقد انه في ظل انعدام الهجمات العسكرية ضد اهداف ومستوطنات اسرائيلية في الضفة الغربية، بسبب انخراط حركة المقاومة الاسلامية (حماس) في حال يشبه “الهدنة” مع الاسرائيليين والسلطة معا، في الضفة والقطاع، و”صيامها” عن تنفيذ اي هجمات بطريقة منهجية لتجنب اي اجتياح للقطاع الذي تحكمه، فمن الطبيعي ان يحاول فكر “القاعدة” وانصاره ان يجد له موضع قدم، وينجح في تجنيد شبان متحمسين في صفوفه، مستائين من حالة الجمود ومتأثرين بالثورات العربية.
***
تنظيم “القاعدة” وصل مبكرا الى قطاع غزة ومنطقة سيناء، مثلما وصل الى ليبيا، وعزز وجوده في سوريا بعد العراق، وباتت قوات الدولة الاسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة من اقوى التنظيمات المقاتلة لاسقاط النظام السوري، ولذلك من الغريب ان يتأخر في الوصول الى الضفة الغربية المحتلة كل هذه السنوات.
المعلومات المتوفرة تقول ان اكثر من خمسين شابا في تنظيم القاعدة ويقاتلون في صفوفه جنبا الى جنب مع مقاتلين من المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948، وعرب ومسلمين من مختلف انحاء العالم.
وجود منظرين لفكر القاعدة وايديولوجيته في الاردن على بعد مرمى حجر من الضفة الغربية، مثل ابو محمد المقدسي وابو قتادة، ودعاة آخرين قاتلوا في افغانستان، وفي صفوف كتيبة ابو مصعب الزرقاوي ضد الامريكان في العراق كله ساعد ويساعد على تكوين خلايا في الاراضي الفلسطينية المحتلة، مضافا الى ذلك ارتخاء القبضة الامنية الاردنية، بسبب الضغوط السعودية والامريكية، وحالة الارتباك السائدة بسبب صمود النظام السوري اكثر مما هو متوقع.
الاردن اصبح يلعب دور الباكستان من حيث تحوله الى البوابة الرئيسية لتدريب وتسليح وعبور “المجاهدين” الى الاراضي السورية بتمويل خليجي، وتشجيع غربي، بعد اغلاق شبه كلي للبوابة التركية، ومن المألوف، بالقياس الى التجربة الجهادية الافغانية، ان تحدث اعراضا جانبية، تتمثل في امتداد هذا الجهاد الى العمق الفلسطيني، بطريقة او باخرى، سواء في الوقت الحاضر او المستقبل القريب.
عندما التقيت الشيخ اسامة بن لادن في كهوف تورا بورا في اواخر التسعينات نقلت اليه الانتقادات التي تركز على انخراط التنظيم في القتال في افغانستان وجنوب شرق آسيا (تايلند وجنوب الفلبين) والبوسنة والهرسك والشيشان وداغستان، وغيرها، وعدم تنفيذه اي عمليات ضد اهداف اسرائيلية في فلسطيني المحتلة وخارجها، فكان جوابه بان ذلك يعود الى صعوبة اختراق الحدود والاجراءات الامنية الشرسة التي تتبناها اجهزة الامن العربية ضده، ويبدو ان الصورة اختلفت الآن بشكل جزئي على الاقل، وبات وضع الاردن، الذي يحتاج الى ملياري دولار سنويا على الاقل لسد العجز في ميزانيته، يتطور باتجاه الحالة الامنية التي كانت سائدة بعد هزيمة حزيران عام 1967.
من الواضح انه في ظل عمليات غض النظر عن التنظيم وعمليات التجنيد وحشد المقاتلين التي يمارسها رجاله حاليا، للقتال في سورية، وتأجيج الصراع الطائفي السني الشيعي، بات التنظيم يعيش حالة من الانتعاش في المشرق العربي، بعد ان رسخ وجوده في المغرب الاسلامي، وفي المثلث الليبي التونسي الجزائري على وجه الخصوص، ناهيك عن منطقة الساحل الافريقي (مالي والنيجر وتشاد ونيجيريا).
ايا كانت النتيجة التي سينتهي عليها الصراع على الارض السورية، فان اسرائيل، وبعض البلدان العربية الاخرى التي وقعت معها اتفاقات سلام لحماية حدودها، ستكون هدفا للجماعات الجهادية وعناصرها العائدة من سورية، منتصرة او مهزومة تماما مثلما كان عليه الحال في افغانستان بدرجة او بأخرى ولكن مع خبرة عالية جدا في اعمال التفجير والتلغيم والتجنيد والرغبة العارمة في الانتقام من الانظمة العربية القائمة.
الحرب في الكويت التي جرت تحت عنوان اخراج القوات العراقية المحتلة، والاستعانة بنصف مليون جندي امريكي للقيام بهذه المهمة، شكلت الارضية الملائمة، بما ترتب عليها من تداعيات لاحقا (لاحتلال العراق) لبذر البذور الاولى لتنظيم “القاعدة” واتساع ايديولوجيته، وتحول العراق وليبيا وسورية وسيناء المصرية الى دول شبه فاشلة بسبب الفوضى وضعف الحكومات المركزية ليؤدي الى تصليب عودها، وانجذاب الكثير من الشباب الى صفوفها سواء عن قناعة، او نتيجة يأس من الفساد ومهادنة الاعداء.
***
الحرب في سورية ستفيض على دول الجوار حتما، وعندما يكون هناك اكثر من مئة الف مقاتل على اراضيها ينضوون تحت لواء حوالي 1200 تنظيم تتدفق عليهم الاموال والاسلحة بالمليارات من دول خليجية، فان علينا ان نتوقع زلزالا جهاديا امنيا زاحفا الى المنطقة سيكون من الصعب التصدي له، وسيكون كل من الاردن واسرائيل وحتى المملكة العربية السعودية ناهيك عن لبنان وتركيا، من اكثر المتضررين.
اسرائيل بسياساتها المتغطرسة، واستيطانها المتغول، وقتلها لعملية السلام، واذلالها للواقعين تحت احتلالها، ستكون من الاهداف المستقبلية، خاصة بعد ان جرى تهميشها امريكيا وغربيا وروسيا من خلال توقيع الاتفاق النووي الايراني، وفشلها في وقفه.
اذكر ان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات اجل عودته بضعة اسابيع الى قطاع غزة، بعد توقيع اتفاق اوسلو عام 1993 بعد وصول تقارير عن تسلل خلية تابعة لحركة “فتح” المجلس الثوري التابعة لصبري البنا (ابو نضال) الى القطاع بتعليمات من العقيد معمر القذافي باغتياله.
ترى ماذا سيكون رد فعل الرئيس الفلسطيني محمود عباس عندما يقدم له جهاز مخابراته، والمخابرات الاسرائيلية التي ينسق معها، معلومات عن وصول تنظيم “القاعدة” الى الضفة الغربية؟ وعندما يقرأ بيان مجلس الشورى القاعدي بانه وسلطته احد ابرز الاهداف جنبا الى جنب مع اسرائيل ومستوطنيها.
الاجابة معروفة ولكم ان تتخيلوها.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.