محمد نزال - صحيفة الأخبار اللبنانية

جبل محسن معمودية الجوع والدم
جبل محسن معمودية الجوع والدم

قبل أشهر، إثر إحدى جولات العنف في طرابلس، كان «علي البرازيلي» يجلس في مقهى «الأخرس» في جبل محسن. ذاك المقهى «الشعبي» جداً، المليء بالذين جعلهم الرصاص عاطلين من العمل، فاستحالت نراجيله آلات لنفث الهموم. سخر علي، ابن الـ 65 عاماً، من الذين كانوا يطلبون منه الحذر أثناء تجواله في مدينته. قال لهم: «أنا ما بيعملوا معي شي. أنا كبير ختيار. بعدين أنا شو عامل عشان يضربوني؟ ولا شي».
يوم أول من أمس، كان علي يتلوّى على الأرض، في الزاهرية، ينزف دمه من رجليه، ومن حوله أشخاص كثر يشتمون ويضحكون. حاول النهوض عن الأرض، فلم يستطع. هشّم الرصاص عظام ساقيه. مرّ وقت قبل أن تصل قوة من الجيش إلى المكان، فحملت «البرازيلي» ونقلته إلى مستشفى السيّدة في زغرتا، فيما تفرّق الحشد. لماذا إلى زغرتا؟ الجواب: مستشفيات طرابلس لا تكفل ألا يُقتل علي في داخلها. حصل ذلك سابقاً.
في اليوم التالي، وصلت إلى مسامع العاملين في بلدية طرابلس، أن ثمّة من يترصّد أبناء جبل محسن منهم بهدف الاعتداء عليهم. هم موظّفون رسميون، في البلدية اللبنانية، لكنهم يعلمون أن «كل أرز لبنان» لن يحميهم من تلك «الوحوش». ركبوا سيارة رسمية عائدة للبلدية، وقرروا أخذ طريق ظنّوا أنه أكثر أماناً من سواه، وانطلقوا. فجأة ظهر أمامهم «حاجز طيّار» بات يُعرف في طرابلس بـ«حاجز التقوى». مسلّحون من كارهي أبناء جبل محسن، لمجرد أنهم كذلك، أنزلوا من السيارة عنوة كلاً من: حيدر صوتو ومحمد صالح وسعيد عيس ووسام فارس. نجح الأخير بالفرار رغم الرصاص الذي لاحقه. ماذا عن الثلاثة الباقين؟ شتْم فلكْم فركْل فمختلف فنون الضرب نزلت عليهم. جاء الحشد «الفرِح» وصنع دائرة حول «الكفّار المهدوري الدم». انتهى مسلسل الذُل بإطلاق النار على أرجل الشبّان الثلاثة. تحت الركبة تحديداً، على غرار الحوادث السابقة. منذ تفجيري طرابلس (التقوى والسلام) بلغ عدد المصابين في أرجلهم، من أبناء جبل محسن، نحو 33 شخصاً. أحد المتحمسين من «الوحوش» رمى مادة البنزين على الجريح حيدر صوتو. لوّح بنيته إحراقه، لكنه لم يفعل. أحدهم أمره بألا يفعل. طلب منه الاكتفاء بسحق العظام. جاء الجيش مجدداً، تفرّق الحشد، ونقل المصابون إلى مستشفى زغرتا مجدداً. هذه الروايات تنقلها «الأخبار» مباشرة عن أصحابها. عن أصحاب الدم المسال في شوارع طرابلس. قبل هؤلاء، بيومين، سُحقت عظام ساقَي رفعت محفوظ، ابن جبل محسن أيضاً، العامل في شركة عدادات وقوف السيارات في شارع المئتين وسط المدينة.
لم يمرّ يوم واحد في طرابلس، خلال الأسابيع الأخيرة، إلا شهد حالات اعتداء على أبناء جبل محسن المحاصر. لم تكن حادثة «الباص» الشهيرة، مطلع الشهر الجاري، أولى تلك الحوادث، لكن ما حصل يومها أن مشاهد الفيديو انتشرت وأحرجت من لا يزال يشعر بالإحراج. لكن ما غاب عن الفيديو والتصوير يفوق الوصف، وربما مستشفى السيدة في زغرتا، وحده، هو القادر على كشف سجل الدم الوارد إليه.

موت الجبل وانفجاره

طرد أحد أصحاب المعامل 25 موظفاً من معمله. هم موظفون من جبل محسن. صاحب المعمل لا يعاديهم طائفياً أو سياسياً، لكنه «في النهاية لا يريد لمصنعه أن يتوقف عن العمل. موظفوه من أبناء الجبل ما عادوا قادرين على المداومة يومياً، نظراً إلى خوفهم من مغادرة الجبل باستمرار... فأوقفهم أخيراً عن العمل». خلف كل موظف من هؤلاء عائلة. 25 عائلة الآن بلا مدخول. المسؤولون في الجبل يتحدثون عن «تهديدات وصلت إلى مؤسسات في طرابلس: إن لم تطردوا العلويين العاملين لديكم، فإن مؤسساتكم ستُحرق».

دماؤنا ثمن الإنجازات

لا يحتاج رئيس المكتب السياسي في الحزب العربي الديمقراطي، رفعت عيد، إلى أن يخبر أحداً عن ارتباطاته السياسية. هو جزء من محور يمتد من لبنان إلى سوريا فإيران. يقول: «هذا المحوّر يحقق أخيراً الكثير من الإنجازات، والظاهر أن الجميع بات يتقبّل أن يكون جبل محسن ساحة لفشة خلق الطرف الآخر، هذه معادلة قاسية ومؤلمة، نحن نخدم مشروعنا وقضيتنا وقناعتنا على حساب دمائنا». وفي حديث له مع «الأخبار» يضيف عيد: «أعرف أن المسألة تحتاج إلى صبر جبال، ولسنا دائماً قادرين على إفهام أهلنا وناسنا في الجبل، أن الصبر هو الخيار الأفضل. البعض من أهلي يشتمونني في شوارع الجبل، أنا أتفهمهم، أحترق مثلهم، وأتوقع المزيد من التضحيات التي يمكن أن تصلنا أخبارها في أي لحظة. لقد جربنا جولات العنف، فما وصلنا إلى نتيجة، الكل يصمت عمّا يحل بنا، حتى الحلفاء أحياناً لا أفهم سبب صمتهم».
بات واضحاً أن الدولة أسقطت، عملياً، جبل محسن من حساباتها. قد يُفهم الأمر من الناحية السياسية، لكن، يقول عيد: «هل يعرفون أن انفجاراً اجتماعياً سيدوي في جبل محسن في أي لحظة؟ عندها ليعذرني الجميع قد لا أتمكن من السيطرة على الشارع. يمكنكم أن تسألوا مستشفى السيدة في زغرتا عن حجم حسابي عنده».
ما يتحدث عنه عيد، لناحية فلتان الشارع في الجبل، ليس مبالغة. فقد ظهر، ليل أول من أمس أشخاص من الجبل على مواقع التواصل الاجتماعي يتوعدون بالنزول إلى الشارع «وفعل ما يفعله الطرف الآخر بنا». قضى المسؤولون في الجبل الليل يحاولون تهدئة هؤلاء، ونجحوا أخيراً في ثنيهم عن قراراهم، لكن هل تسلم الجرّة في كل مرّة؟
ما يحصل في جبل محسن بات أكثر من حصار تقليدي. نحن أمام ما يشبه «التطهير العرقي» بهدوء. الفاعلون يسمّون أنفسهم «أولياء الدم في تفجيري طرابلس»، لكن على فرض أن علويين تورّطوا في الجريمة، فهل يصبح كل علوي هدفاً للمسلحين الرعاع؟ هذا أكثر سؤال يتردد اليوم في جبل محسن. تلك الدماء التي تسيل في شوارع عاصمة الشمال، ليست آثارها على أيادي المسلحين فقط، بل تلطخ أيضاً جبين كل رئيس ووزير وزعيم ومسؤول محرّض... أو صامت.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.