صهيب عنجريني نقلا عن الأخبار

قائد لواء التوحيد عبد القادر الصالح
قائد لواء التوحيد عبد القادر الصالح

أثار خبر مقتل «حجي مارع» عبد القادر الصالح، القائد العسكري السابق لـ«لواء التوحيد»، الكثير من علامات الاستفهام، نتيجة الملابسات المحيطة بحادثة استهدافه، وطريقة إعلان خبر مقتله. فكيف تم الاستهداف؟ وهل لذلك علاقة بإعلان عدد من الفصائل الإسلامية اتحادها تحت مسمى «الجبهة الإسلامية»، وبصِلات الصالح الاستخباراتية التي تجاوزت، وفق معلومات مؤكدة، النطاق الإقليمي، وبالزيارة التي قيل إن الصالح قام بها إلى الولايات المتحدة؟

تنشر «الأخبار» في ما يلي القصة الكاملة، بتفاصيل حصلت عليها من مصادر عدّة، اثنان من بينها، من الدائرة الضيقة داخل «لواء التوحيد».
في الرابع عشر من الشهر الجاري، عُقدَ اجتماع ضمّ عدداً من قياديي «لواء التوحيد» في مقره داخل مدرسة المشاة في حلب. أبرز الحاضرين في الاجتماع كانوا: عبد القادر الصالح، عبد العزيز سلامة (حجي عندان) الزعيم السياسي لـ«التوحيد»، ويوسف زيدان العباس (أبو الطيب) الذي كان يشغل منصب قائد الفوج الرابع، إضافةً إلى عدد من القياديين والمرافقين.
عُقد الاجتماع في الطبقة الأرضية من مبنى مؤلف من طبقات عدّة. وبعد وقت قصير من بدئه، سمع الجميع صوت طائرة تحلق على ارتفاع عالٍ. وتؤكد المصادر أن عناصر «اللواء» المكلفين بالمراقبة لم يشاهدوا الطائرة التي سارعت إلى إطلاق صاروخ موجّهٍ، استهدف الطبقة الأرضيّة مباشرة، وسبّب ضغطاً شديداً داخل المبنى، مُحدثاً انفجاراً أدى إلى انهيار الجدران من دون أن يُسبب حريقاً. وتتقاطع تأكيدات مصادر عدّة لـ«الأخبار» على أن الحالة التي وُجد عليها الصالح بعد الحادثة تُبيّن سقوط عدد من الأحجار على ظهره وخاصرته، مسببةً كدماتٍ كبيرة، من دون وجود أي جروحٍ ظاهرة أو نزفٍ خارجي. كما سقط «أبو الطيب» بجواره في حالة مشابهة، وسقط اثنان آخران من المُجتمعين ضحيتين للاستهداف، فيما طالت «حجي عندان» إصابات طفيفة.
وعلى الفور، سارع عناصر «التوحيد» إلى إسعاف المصابين، ونُقل الصالح مباشرةً الى مشفى مارع، حيث تؤكّد مصادر «الأخبار» ــــ خلافاً لما أُعلن ــــ أنّه وصل جثة! وتضيف المصادر: «كان واضحاً أن قلبه توقف، وحياته انتهت، لم يتم تشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة. لكن الأطباء يعتقدون أنها ناجمةٌ عن نزف داخلي في البطن». بعد التثبت من حدوث الوفاة، لم تُنقل الجثّة إلى غازي عنتاب ولا إلى أنقرة، «لم يكن هناك داعٍ لنقلها» يقول أحد المصادر، مضيفاً، «وضعت في براد مشفى مارع، في انتظار الأوامر».
صدرت الأوامر بالتكتم الشديد على الخبر، وتمّ دفن الصالح في اليوم ذاته بسرّية تامّة. بدأت المعلومات المتضاربة تنتشر، وقد تمّ توجيهها بحيث تصبّ في خانةٍ واحدة: «الحجّي على قيد الحياة، وقد أسعف إلى تركيا»، ولم يتم إعلان الخبر إلا بعد أربعة أيام.
يطرح أحد المصادر نظريةً حول استهداف الصالح، مؤكداً أن تداولها آخذٌ بالازدياد في أوساط «التوحيد»، ومفادُها أن «هناك اقتناعاً تاماً لدى الكثيرين بأن هذا النوع من الصواريخ الموجهة، وهذه النوعية الانفجارية الخاصة، لا يمكن أن تكون من عمل النظام»، ويشير المصدر إلى أنّ «التقنية التي استخدمت عالية جداً، والطائرة لم تُشاهَد».
وتذهبُ النظريّة أبعدَ من هذا، متهمةً جهاز استخباراتٍ إقليمياً (السعودية) بالضلوع في الاستهداف، وبإشراف أميركي، من دون أن تقدّم تصوّراً واضحاً عن الجهة التي نفّذته. لكنّ مصدراً آخر يرى في هذه النظرية نوعاً من المبالغة، وجزءاً من «الأساطير التي دأب محبّو الصالح على نسجها حوله، سواء قبل مصرعه أو بعده»، رغم تأكيده في الوقت نفسه أن المعلومات التي حصل عليها تؤكد صحة التفاصيل المذكورة أعلاه حول كيفية الاستهداف والوفاة المباشرة، وحول صلات الصالح بجهاتٍ إقليمية عدّة. ويضيف: «يبدو أنه كان يحاول تسيير علاقاته الإقليمية بطريقة مشابهة لتسيير علاقات لوائه بجميع الفصائل المسلّحة، فالتوحيد ــــ كما هو معروف ــــ يحتفظ بعلاقاتٍ ومصالح مع الجميع، وبطريقةٍ تُذكّر بالأسلوب الإخواني، لكن هذا لا يلغي احتمال قيام النظام باستهدافه، بل ربما كان سبباً مباشراً فيه».
في المقابل، يؤكّد المصدر الأوّل أن «النظريّة ليست مبنيةً على تكهناتٍ فحسب، بل ثمة معطيات واقعية تستند إليها، وترتبطُ بشكل مباشر بإرهاصات ولادة الجبهة الإسلامية، التي أعلن عنها أخيراً»، ويضيف: «التخطيط لإطلاق الجبهة قديم، وكانَ كلُّ شيءٍ جاهزاً للإعلان عنها، باستثناء مخاوف السعودية من أن الصالح يشكل خطراً على زعامة زهران علّوش الفعلية لها، وخصوصاً أنه (الصالح) يحظى بدعمٍ قطري كبير». ويؤكّد المصدر أن الأميركيين لم يكونوا بمعزلٍ عن تلك المخاوف، وأنّ الزيارة السرّية التي قالت بعض التسريبات إن الصالح قام بها إلى الولايات المتحدة حدثت بالفعل. ويشير في هذا السياق إلى صورةٍ تمّ تسريبُها أخيراً للصالح داخل طائرةٍ خاصة، ومرتدياً بذلة رسميّة، مؤكداً أنها التقطت خلال تلك الزيارة، وأن اهتمام الأميركيين بالتعرف إلى الصالح عن قرب كانَ مقدمةً لاتخاذ قرار فعليّ إما بدعمه دعماً مطلقاً، ونقل التعامل معه من مرحلة التعامل عبر وسطاء إلى التعامل المباشر، أو تصفيته، وهو الأمر الذي حصل، أمّا علُّوش ــــ يضيف المصدر ــــ فـ«ليس غريباً عن الأميركيين، إذ سبقَ له أن عقد لقاءاتٍ عدّة مع عددٍ من مندوبيهم، في تركيا والأردن، ودائماً برعايةٍ سعودية مباشرة».
يستبعد المصدر أن يكون «حجي عندان» ضالعاً في تصفية شريكه، ويؤكّد أن «نجاة سلامة كانت بمحض الصدفة»، وأنّ حيثيات الاستهداف «لا تدع مجالاً للشك بأن الهدف من ورائه كان تصفية كل قياديي التوحيد، ولو كان الصالح وحده هو المستهدف لأمكن قتله بطريقة أخرى»، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن «استهدافاً دقيقاً بهذا الشكل لا يمكن أن ينجح من دون وجود اختراق أمني، وتحديد الهدف بدقة عبر جهاز إلكتروني مزروعٍ في الغرفة، ويقوم بإرسال إشارات دلاليّة، والتحقيقات جارية لكشف الاختراق».

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.