جان عزيز - صحيفة الأخبار اللبنانية

6 أشهر لخارطة المنطقة و3 لحكومة بيروت
6 أشهر لخارطة المنطقة و3 لحكومة بيروت

بات واضحاً أن السعودية قررت الدخول في عملية ربط نزاع مع المسار الإيراني ـــ الغربي المنطلق منذ شهرين. وهو أداء مفتوح نظرياً على أكثر من احتمال. فإما أن تكون الرياض تناور في موقفها الرافض، وتستخدمه ورقة في وجه واشنطن خصوصاً، من أجل التفاوض معها حول عناصر اعتراضها على مشروع التسوية الذي يستبعدها حتى اللحظة. وإما أن تكون الرياض جدية في رهانها على سقوط المشروع المذكور، بعد وقت مقبول في المدى الزمني السياسي. في حالة مجرد الاعتراض من أجل تحسين الشروط والظروف والحصص، قد نكون أمام «ربيع» فعلي على مستوى المنطقة برمتها، أي شيء ما من صفقة شاملة تتلمس طريقها تباعاً، ولو بالتجربة وبعض الخطأ، لكنها تكون قد بدأت من كيميائي دمشق ووصلت إلى نووي طهران، ولا تزال أمامها محطات ولفات عدة، من لؤلؤة المنامة إلى أزقة ما تبقى من قدس أوسلو، قبل أن تختتم في بيروت وضاحيتها والضواحي. أما في حالة دخول السعودية في عملية قتال تأخيري، وتوجيه رسائل الاعتراض من كل الأنواع والأعيرة، عندها قد تكون المنطقة نفسها أمام خريف لا يخلو من عواصف وأعاصير. خريف لن ينتهي إلا بموت الأميركي أو موت الإيراني، أو انفجار النووي مجدداً بينهما، أو موت السعودي بعملية انتقال لسلطته على طريقة «الحمدين» القطريين، أو بخارطة تقسيم للجزيرة كالتي بدأ يتداولها الإعلام الأميركي...
والمصادفة في كل تلك الحسابات أنها تتشابك في معظمها عند حدود فترة الأشهر الستة المعطاة للاتفاق الإيراني الغربي الأخير. ستة أشهر تتبلور خلالها تسوية جنيف النووية، وتتضح أثناءها عملية جنيف السورية، وتتبين في غضونها ملفات التفاوض الاسرائيلي الفلسطيني، والوضع المصري الجديد، والاستفاقة التركية على تركة أردوغان الكوارثية عشية استحقاق انتخابي في أنقرة، وصولاً إلى استحقاقين رئاسيين في كل من دمشق وبيروت. ستة أشهر إذن لإعادة خلق منطقتنا، قد تبدو مثل الأيام الستة التي خلق الله في خلالها العالم.
كيف ستنعكس هذه الحسابات على التطورات اللبنانية سياسياً وأمنياً؟ على المستوى الثاني، قد لا يكون مستبعداً استمرار أجواء التصعيد، بأشكاله المختلفة، من صيغة الاشتباك الطرابلسي إلى صيغة الذروة الانتحارية. والصيغتان معبرتان عن خيارات أطراف الصراع الدائر. فإما أن يتفقوا على شراكة ما في إدارة المنطقة والتعايش مع واقعها وثرواتها، كما يفترض أن يتعايش «الجبل» و«الباب» في طرابلس، وإما أن يصطدم أحدهم بجدار الأزمة أو التسوية، فينتهي قاتلاً أو مقتولاً أو الاثنين معاً، كما اصطدم الانتحاريان بجدار السفارة الإيرانية.
أما على المستوى السياسي، فالواضح أن الفراغ سيستمر لنصف فترة تجربة التسوية، أو للأشهر الثلاثة المقبلة في أقل تقدير، على طريقة تمضية شوط أول من مباراة حاسمة وحساسة وخطرة، بإضاعة الوقت في منتصف الملعب، أو بجس النبض على حدود المناطق الخطرة. بعدها، قد تذهب الرياض إلى عملية إعادة تقويم لبنانية. فعشية الفراغ الرئاسي المتوقع في تلك الحالة، ينتظر أن تصير الخيارات السعودية في بيروت كالآتي: إما أن نترك السلطة بالكامل لـ«حكومة حزب الله»، تستأثر بها في غياب رئيس وانتخابات نيابية وحتى إمكان تشكيل حكومة جديدة، وإما أن نذهب إلى اتفاق ضرورة مع الفريق الآخر على تشكيل حكومة تسووية لإدارة فراغ ما بعد الفراغ الراهن. وفي هذه الحالة، قد تكون المعطيات السعودية نفسها مترددة عندها أمام مشهدين من الحسابات: مشهد أول يقول بترك الأمور تندفع إلى الفراغ المطلق، بالاستناد إلى همسة ميقاتية في أذن الرياض بأن رئيس الحكومة المستقيل سيرفض حتى تصريف الأعمال في حالة الفراغ الرئاسي. وهو ما قد يطمئن السعودية أكثر إلى احتمال الفراغ، علّه يربط الملف اللبناني بملفات المنطقة كافة، وعلّه بالتالي يجعل حلها رزمة واحدة وصفقة شاملة، تقارب سلاح حزب الله بشيء من علاج الكيميائي السوري والنووي الإيراني.
أما المشهد الثاني، فيرجّح أن توعز السعودية إلى فريقها في بيروت للمبادرة في اتجاه الفريق الآخر ومحاولة التوصل معه إلى تشكيلة حكومية بثمن مقبول، يكون أقل من ثمن ترك السلطة كاملة في أيدي «حكومة حزب الله»، فتنشأ تركيبة توافقية موقتة لإدارة المرحلة الفراغية الانتقالية، تجنّب لبنان مخاطر الانفجار، وتجعله ينتظر انفراجات المنطقة بالحد الأدنى من الخسائر.
لكن يبقى السؤال، على وقع التقدم الإيراني الغربي، كما على وقع التقدم الميداني السوري: ماذا لو جاء الشوط الثاني الحاسم لبنانياً من تلك المبارة، وقد أصبح تحالف 8 آذار ـــ عون في موقع يسمح برفض خيار حكومة التسوية حتى، وفي لحظة ترجّح بالنسبة إليه معادلة من نوع: إما رئيس قوي، وإما حكومة مغايرة لصيغة تمام سلام رئيساً، وإما الفراغ الذي سيكون لمصلحتنا، أكان لانتظار حل أفضل أم لنسف معادلة النظام برمته؟
الواضح أن السعوديين لا يجهدون عقولهم بتلك الحسابات، لكن على اللبنانيين الحريصين على الرياض لفت نظرها إلى تلك التعقيدات، أو حتى إجراؤها عنها وإقناعها بنتائجها.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.