مصطفى اللباد - صحيفة السفير اللبنانية

العلاقات المصرية ـ التركية إلى المنحدر
العلاقات المصرية ـ التركية إلى المنحدر

 

ظهر التدهور في العلاقات المصرية - التركية في أوضح صوره أمس الأول، بعد إعلان السلطة الجديدة في مصر استدعاء السفير التركي لدى القاهرة حسين عوني بوطصالي، والطلب منه مغادرة البلاد باعتباره شخصاً غير مرغوب فيه. في المقابل، ردّت الحكومة التركية بإجراء مماثل هو إعلان السفير المصري في تركيا عبدالرحمن صلاح، الموجود بالفعل في ديوان الوزارة المصرية منذ ثلاثة أشهر، شخصاً غير مرغوب فيه أيضاً. يعد طرد السفراء ـــ حسب الأعراف والتقاليد الديبلوماسية ـــ الخطوة الأخيرة التي تسبق قطع العلاقات الديبلوماسية بين بلدين، مما يشي بانحدار كبير في العلاقات بين القاهرة وأنقرة. كان خلافاً مستمراً قد نشب بين السلطة الجديدة في مصر و«حزب العدالة والتنمية» في تركيا منذ لحظة إطاحة الرئيس المعزول محمد مرسي في 3 يوليو/تموز الماضي الذي اعتبرته تركيا «انقلاباً عسكرياً». ومن وقتها عادت العلاقات المصرية - التركية إلى التدهور بعد شهر عسل استمر لمدة عام، هي فترة حكم الرئيس المعزول. عرفت المنطقة خلال السنة المذكورة محوراً إقليمياً ثالثاً إلى جوار محوري «الممانعة» و«الاعتدال»، يضم تركيا ومصر وتونس وقطر وفروع جماعة «الإخوان المسلمين» في ليبيا وغزة وسوريا، ومع إطاحة الدكتور محمد مرسي من السلطة في مصر فقد سقط العمود الفقري الناظم للمحور الثالث، وبالتالي وقعت خسائر إقليمية جسيمة لتركيا وحضورها في المنطقة.

حسابات أنقرة

دأب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على مهاجمة السلطة المصرية الجديدة وإعلان تضامنه مع الرئيس «الإخواني» المخلوع، وكان أخرها ما قاله وهو في طريقه إلى روسيا: «أحيي مرسي وأحترمه، ولا أكن أي احترام لتلك المحكمة ولمن يحاكمه». كانت التصريحات الأخيرة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ولكنها لم تكن السبب الأساس وراء تدهور العلاقات المصرية - التركية، تلك التي شهدت فترات قليلة جداً من التناغم والانسجام طيلة القرن الماضي. يبدو معلوماً أن قبول رئيس الوزراء التركي بالأمر الواقع الجديد في مصر، سيتسبب في فقدانه لصدقيته أمام تحالفاته الإقليمية القائمة أساساً على جماعة «الإخوان المسلمين»، وبالتالي تعد تصريحاته الهجومية المتكررة على السلطة الجديدة في مصر بمثابة «مادة لاصقة» لجمع ما تبقى من المحور الإقليمي الذي قادته تركيا خلال السنة الماضية. وبالرغم من محاولات الرئيس التركي عبد الله غول، ووزير الخارجية أحمد داود أوغلو، والسفير التركي في القاهرة حسين عوني بوطصالي، التخفيف من تأثير التصريحات «الأردوغانية» على العلاقات مع القاهرة، فقد تدهورت الأخيرة بشكل متسارع ينذر حتى بقطعها في المستقبل المنظور، في حال استمر الإيقاع الحالي من الطرفين. تبدو تصريحات أردوغان «إجبارية» نوعاً ما بسبب التكلفة السياسية العالية لاعترافه بالسلطة الجديدة في مصر، وبالتالي فقد كان منطقياً أن تختار القاهرة توقيت طرد السفير، خصوصاً أن تصريحات أردوغان لم تتوقف أسبوعاً واحداً في الأشهر الأخيرة.

حسابات القاهرة

تضررت السلطة المصرية الجديدة من المحاولات التركية لتأليب الرأي العام العالمي عليها، سواء في أميركا أو لدى الاتحاد الأوروبي، أو حتى لدى دول «عالم ثالثية» وازنة مثل البرازيل وجنوب أفريقيا. وشكلت استضافة تركيا لاجتماعات التنظيم الدولي لجماعة «الإخوان المسلمين» إعلاناً واضحاً بالعداوة من جانب أنقرة، التي لم تترك مناسبة لإظهار تضامنها مع الجماعة عبر تنظيم المؤتمرات الجماهيرية الداعمة لها وإطلاق أسماء بعض الشوارع التركية تيمناً برموزها. كان معلوماً للقاهرة أن الموقف التركي غير قابل للتعديل بسبب الخسائر الكبيرة التي لحقت بتركيا من جراء سقوط جماعة «الإخوان المسلمين»، ولكن السلطة المصرية الجديدة ظلت ترد على التصريحات التركية بمثلها من دون تصعيد كبير، كالذي حدث أمس الأول، طيلة الأشهر الأربعة الماضية بسبب عدم رغبتها في توسيع دائرة الخصوم في الخارج. ولكن مع تغير البيئة الدولية ونظرتها للسلطة الجديدة في مصر خلال الفترة القصيرة الماضية، وظهر ذلك من خلال تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري والمفوضة الأوروبية للشؤون الخارجية كاثرين أشتون، سنحت الفرصة أمام القاهرة لامتلاك زمام المبادرة في التصعيد مع تركيا. أدى ذلك التغير في المواقف الدولية إلى تسهيل قرار القاهرة بخفض مستوى التمثيل الديبلوماسي بين البلدين، خصوصاً أن السلطة الجديدة في مصر حريصة على استعادة بعض من هيبتها الإقليمية. ويضاف إلى ذلك الاعتبار، ما يعتقده البعض من رغبة مستمرة للفريق عبد الفتاح السيسي - الرجل القوي في السلطة المصرية الجديدة - في استحضار «تشابهات» مع زمن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وبالتالي تدعيم صورته أمام ملايين المصريين. طرد جمال عبد الناصر السفير التركي من مصر مرتين: المرة الأولى في العام 1954 عندما اعتبر السفير التركي في القاهرة فؤاد طوغاي، أن ثورة العام 1952 «قامت بها مجموعة من الشباب الطائش انقلبت على الملك»، والثانية في العام 1961 حين عاد عبد الناصر ليطرد سفيرًا تركيًا آخر من القاهرة، رداً على مباركة تركيا لانفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة.

الخلاصة

لم تعرف العلاقات المصرية - التركية عصراً ذهبياً منذ زمن محمد علي، مؤسس مصر الحديثة، إلى اليوم، إلا في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي. حارب محمد علي تركيا عسكرياً في بدايات القرن التاسع عشر في فلسطين والشام، حتى وصلت حملاته العسكرية الناجحة التي قادها ابنه إبراهيم باشا إلى قلب الأناضول. جعلت تلك الانتصارات السلطنة العثمانية ترضخ وتبرم «صلح كوتاهية» في العام 1832، الذي يعترف فيه السلطان العثماني بالإدارة المصرية للمشرق العربي. هكذا وضع التنافس على الأدوار في كل من مصر وتركيا في مواجهة مستمرة في غالبية الفترات التاريخية، ضمنية أو علنية حسب مقتضيات الأحوال. تدهورت العلاقات المصرية - التركية بوضوح في عصر عبد الناصر المعادي للأحلاف العسكرية ولتحالفات تركيا الإقليمية والدولية، ولكنها لم تتحسن بالضرورة في عصري حسني مبارك وأنور السادات المتحالفين مع أميركا مثل تركيا. ويعود السبب في ذلك إلى أن القاهرة وأنقره لم تتشاركا أبداً في نظرة مشتركة للمنطقة وتوازناتها، مثلما لم تعرفا في العصر الحديث تهديداً مشتركاً يمكنه الدفع بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أعلى، إلا في حالة الدكتور محمد مرسي. لذلك يمكن القول بكثير من الاطمئنان إن التنافس التاريخي بين البلدين الكبيرين يضعهما في خنادق متقابلة، وإن التدهور في العلاقات الثنائية يغلب تاريخياً على طبيعة هذه العلاقات.
كانت إطاحة الدكتور محمد مرسي خسارة كبيرة لتركيا يصعب تعويضها، لأن حلم تركيا في القيادة الإقليمية لا يمكنه البقاء من دون وجود تحالفات إقليمية لها في طول وعرض المنطقة. ولما كانت تركيا المعاصرة حديثة العهد بالمنطقة، فقد كان تحالفها مع جماعة «الإخوان المسلمين» ضرورة لا غنى عنها، حتى تستطيع خوض غمار التنافس الإقليمي المحتدم مع كل من إيران والسعودية اللتين تملكان مثل هذه التحالفات الإقليمية. كان الدكتور محمد مرسي الحاكم المصري الأول الذي يعترف لتركيا بالقيادة الإقليمية - ضمنياً أو علنياً- وينخرط معها في تحالف إقليمي، ما جعل الطموحات الإقليمية التركية تقفز إلى عنان السماء. ومع سقوطه، انهار الحلف الثالث ومعه حلم تركيا في القيادة الإقليمية، ما جعل التدهور في العلاقات المصرية - التركية حتمياً بغض النظر عن تصريح من هنا أو تصريح من هناك. يتعلق قرار السلطة الجديدة في مصر بطرد السفير التركي من القاهرة بالتوقيت (تغير البيئة الدولية) لا بالمضمون «الإجباري» في حد ذاته. أما سلوك أردوغان المؤيد على طول الخط لجماعة «الإخوان المسلمين» فيرتبط بضرورات إقليمية تركية قبل أن يرتهن بتعاطف أيديولوجي مبدئي. 
ختاماً، قد يكون القرار المصري بتخفيض مستوى العلاقات مع تركيا وطرد سفيرها مفهوماً ومتوقعاً، ولكن تداعياته الأبعد على قدرات مصر في تنويع علاقاتها الإقليمية فربما لا تكون إيجابية بالضرورة!
 

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.