"باسل ديوب" نقلاً عن جريدة الأخبار اللبنانية

مافيات الذعر في سوريا: أبناء «الثورة» يأكلونها
مافيات الذعر في سوريا: أبناء «الثورة» يأكلونها

نماذج مضحكة مبكية لهامشيين رفعتهم الفضائيات العربية الى مصاف «القادة الثوريين». «قادة» تدربوا في مدارس «التشويل»، وتخرجوا من علب الليل، ليمتطوا حراكاً شعبياً محقاً انحدر به هؤلاء «المناضلون» إلى أدنى حضيض في تاريخ الثورات. «البطريق» و«البغل» و«بيسو» و«سوسو» و«سخّمني» و«جزرة» وغيرهم كثر، «ثوريون» أبعد ما يكونون عن الأهداف السامية والقضايا النبيلة

باسل ديوب

في بداية حزيران 2011، ظهر شخص على قناة «الجزيرة» يصرخ أمام الكاميرا: «أنا إنسان ماني حيوان، وهالناس كلها مثلي»، احتجاجاً على قمع السلطات السورية للتظاهرات في جسر الشغور. سرعان ما حوّلت القناة القطرية الرجل الى أيقونة لـ«الثورة» ورمز للسوري المقهور والمعذب. لكن الأكذوبة لم تدم طويلاً. فاليدان اللتان كانتا «تشوبران» أمام الكاميرا كانتا ملطختين بدماء ضحايا مجزرة جسر الشغور الشهيرة التي راح ضحيتها نحو 120 من عناصر الأمن والشرطة، رميت جثثهم في نهر العاصي. وبعد حوالى العام ظهر «الأيقونة»، وهو مهرب مازوت اسمه أحمد عبد الوهاب ويلقب بـ«البطريق»، على شاشة تلفزيون «الجديد»، ولكن هذه المرة كمتورط في خطف الزوّار اللبنانيين الـ11 في مدينة أعزاز.
والمفارقة أن «الجزيرة» التي جعلت من البطريق «أيقونة»، استعانت لتدريبه على تمثيل دوره بغرفة إعلامية سرية في قرية خربة الجوز تحت حراسة مجموعة مسلحة يقودها مصطفى الجميل الملقب بـ«البغل»، وهو أيضاً من أرباب السوابق في التهريب ولا سيما المخدرات. وقد شكّل «البطريق» و«البغل» كتيبتين مسلّحتين من أجل نشر «الحرية» و«الديمقراطية» في سوريا. قتل «البغل» في عملية للجيش السوري نهاية العام 2012، فيما لا يزال «البطريق» يتحرك برشاقة في المنطقة الجبلية بين مخيم ييلا داغي في تركيا والأراضي السورية بعدما بايع «أبو بصير الطرطوسي»، أحد أشهر منظري الجهاد في سوريا.
شهيرة هي المقولة عن «الثورة التي تأكل أبناءها». لكن في سوريا، أكل جيش، هو خليط من التكفيريين والمغامرين وأرباب السوابق وأصحاب المهن العضلية، أي أمل ثوري، بعدما وجد كثيرون «فرصة العمر» في مزاريب الأموال التي فتحها عشاق الحرية ورعاة الثورة في قطر والسعودية. ويتندر الحلبيون، اليوم، بصعوبة العثور على عامل مياوم في المهن العضلية كالمليّس والحجّار و العتّال، بالقول:« فينو؟ صار بالجيش الحر شوّل». و«التشويل» مصطلح يدل على تحميل المسروقات.

مثقفون وطنبرجية

«بلال الكن بن دلال الكن» أشهر من نار على علم في حمص. هو أول «قائد ثوري» في المدينة. في سجله العدلي سبع أسبقيات جنائية. حصد «الكنّ» شعبية في أوساط المهمشين والمثقفين معاً، بعدما ظهر في أحد التسجيلات وهو يرغي ويزبد تحدياً ووعيداً، بلهجته المغرقة في شعبويتها، متحدياً الفرقة الرابعة والعميد ماهر الأسد. وسرعان ما أرخى «الكنّ» لحيته وحف شاربيه وظهرت له «زبيبة» على جبينه من كثرة السجود، ووصل به الأمر إلى تعيين أحد الطلاب الفاشلين في كلية الشريعة «مفتياً» لجماعته الجهادية، افتى له بضم نساء «الشهداء» إلى بلاطه. وليس أدل على بؤس الشريحة التي جندها «الكن» معه أكثر من تمجيده بعد موته بترداد قصة «قيام الشبيحة، لشدة رعبهم منه، بنبش قبره للتأكد من موته وإعادة دفنه».
ولم يكن «الكن» حالة نادرة. فعبد الباسط الساروت، الذي لقّبه بعض مثقفي حمص وفنانيها بـ«بلبل الثورة» بسبب قيادته الهتافات في التظاهرات التي لم يتورع خلالها عن المناداة بإبادة جماعية طائفية، انحدر من وسط «طنبرجية» يجوبون الأحياء الشعبية على طنابرهم التي تجرها البغال لبيع المازوت. وقد استقطب الساروت كثيراً من أقرانه بالمال لتشكيل مجموعة مسلحة سرعان ما تضخم عددها مع ازدياد التمويل، وكان شعار هؤلاء «حارة الطنابر عاصمة حمص الثورة»!

«بيسو» و«سوسو» و«سخّمني»

«كتيبة بيسو» واحدة من أكثر فصول المأساة السورية إثارة للحزن. جرعة الكوميديا السوداء تبدأ من اسم الكتيبة، وهو لقب «مؤسسها» محمد الياسين في بلدة كفر حمرة القريبة من عندان. اعتقلته دورية أمنية نهاية عام 2011 في ملهى ليلي في منطقة بستان كليب، بتهمة التحريض على التظاهر ومهاجمة رجال الشرطة. لكنه نفى التهم مؤكدا أنه «مجرد صاحب كيف» ولا يفهم في السياسة. أفرج عنه بعد التعهد بعدم الإخلال بالأمن. وبعد أسابيع قليلة بدأ بفرض أتاوات على الصناعيين في الليرمون بحجة «حمايتهم من النظام والشبيحة». وطارت شهرة «بيسو» بعدما زعم أن وحياً جاءه بأن صاحب «معمل زنوبيا للسيراميك» هو «شبيح يقمع التظاهرات ويساعد الدولة، ويجب معاقبته». وبالفعل انتهت «غزوة الرؤيا» بـ«تشويل» (سرقة) المعمل، ونهب ما قيمته نحو 100 مليون ليرة من أطقم السيراميك. «بيسو» وأولاده الأربعة وأبناء أشقائه، أصبحوا اليوم قوة ضاربة في كفر حمرة!
عز الدين جدعان الملقب بـ«الفراتي» هو «قائد ثوري آخر» في «الجيش الحر». وجدعان مغن ٍ شعبي، كان من نجوم قناة «غنوة» الفضائية التي تعرض كليبات رقص «الحجيات»، وهن راقصات «القرباط والنور» في سورية. وقد شكل «الفراتي»، الذي اشتهر بأغنية «حمد وسوسو»، كتيبة أطلق عليها اسم «جند الله»، تختص بالخطف مقابل فدية. وقد أطلق أهالي رأس الجزيرة بعد خطفه أكرادا على كتيبته اسم «كتيبة سوسو»، قبل أن يتخلى عن قيادة «جند الله» ليشكل «لواء الفرات» بدعم من عضو مجلس الشعب السابق نواف البشير.
والى «بيسو» و«سوسو»، مجموعة « أبو عماد زعرور» الذي سلّح أبناءه وأبناء إخوته وشكل عصابة للسرقة والخطف و فرض الأتاوات، ويتندر أهالي حي مساكن هنانو الحلبي عليه بتسميته قائد «كتيبة سخّمني» وهي لفظة حلبية تعني الفاحشة.

حسن وجزراته

حسن جزرة واحد من «أبطال الثورة» ومن أرباب السوابق قبلها. كان من أوائل الذين شكلوا مجموعات مسلحة لحماية «التظاهرات السلمية». تشير التسجيلات المنشورة له إلى مستوى تعليمي يقارب الصفر، وهو شخصية شرسة جداً تخصص بالخطف وسرقة المعامل وبيعها لأصحابها مجدداً وقبض الأتاوات. اشتهر بوقوفه في اليوم الأول لدخول المسلحين مساكن هنانو بالقول: «جايينك يا بشار». وفي تسجيل آخر يظهر مقاتلوه وهم يغنون له «حسن جزرة قائدنا ونحنا الجزرات»!
وقد خرجت تظاهرة في حي الشعار في حلب، في أيار الماضي، تطالب بإعدام الجزرة بعدما ضاق الناس ذرعاً بارتكاباته. وقد حرّكت ما يسمى «الهيئة الشرعية» اتهامات ضده، وبعد التلويح باقتحام مقاره والقضاء على مجموعته التي كانت تعرف باسم «كتائب غرباء الشام»، سلم نفسه الى الهيئة التي أخلت سبيله لاحقاً بعد تسوية برأته من تهم القتل والسلب مقابل دفعه مبالغ مالية كبيرة والتعهد بعدم الإساءة الى «الثورة».
وبعد سيطرة تنظيم «داعش» وتصفيته المجموعات المسلحة، حاصر مقار مجموعة «غرباء الشام». وبعد تواريه لأيام، أصدر جزرة بياناً باسم «كتائب حسن جزرة» مع جماعتي «كتائب الحاج حسين»و«كتائب اليرموك أبو شقرة» طالب فيه «داعش» و«سرايا المغيرات» التي يقودها أبو الليث، وهو من المقربين من «جزرة»، بـ«الاحتكام الى القرآن والسنة وحقن دماء المسلمين». وقد اعتقل تنظيم «داعش» الأسبوع الماضي «حسن جزرة»، وتسربت أنباء عن نية لاعدامه.
ومن «القادة» المشهورين أيضاً ولص معامل «ضاغطة الحفر الفردية» (كومبريسورات) أحمد عفش متزعم «لواء احرار سورية»، وبائع السمك خالد حياني متزعم «لواء شهداء بدر» الذي يدك أحياء حلب بقذائف أسطوانات الغاز. وهو التحق بالثورة بعد ارتكابه جريمة قتل إثر خلاف مع شخص آخر على صداقة مومس، ليروّج انه ثوري قام بـ«تصفية شبيح يقمع التظاهرات السلمية».

«ميماتي» و«البرنس»

عبد الوهاب الخلف الذي يتخذ لنفسه لقب «ميماتي» (شخصية شهيرة في مسلسل «وادي الذئاب» التركي) ضابط شرطة صغير جرفته الأحداث. ظهر على «قناة سما» لينفي خبر انشقاقه، قبل أن يلتحق بـ «ثوار منبج». «زير نساء» اقنع شرطياً يدعى محمد دقاق بالانشقاق معه، وشكلا معاً، بالاشتراك مع مهرب آثار يدعى أبو خالد النيفي، «الشرطة الثورية في منبج». وما لبث النيفي أن انشق عنهما ليشكل «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» التي يسميها اهل المدينة «هيئة الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف».
شارك «ميماتي» في ارتكاب مجزرة مروعة في مضافة الشيخ جمعان الخفاجي في بلدة مسكنة القريبة من نهر الفرات في محافظة حلب. فقد ذبح الشيخ وابن أخيه وآخرون أثناء توسطهم لحل مشكلة خطف بين «الجيش الحر» و الأهالي. والمفارقة أن أحد المذبوحين مع الشيخ هو شقيق قاتل ابن الشيخ الذي عفا عنه حقناً للدماء. «ميماتي» يقبع اليوم في أحد سجون «داعش».
ولا يذكر «ميماتي» في منبج من دون ذكر «البرنس» نورس العبد قائد «كتائب الفاروق» في المدينة، والتي تتخذ من مدرسة حكومية مقرا لها. هو الشخصية الأكثر إثارة للاشمئزاز في المدينة، إذ يتهم بارتكاب الكثير من الموبقات. تعرضت كتيبته للسحق على يد «جبهة النصرة» في نيسان الماضي، حيث اعتقل واقتيد إلى حلب، وأعلن عن ذبحه، ليظهر في أيلول الماضي في منبج وهو يحرق علم الجبهة بعد أن تمكن من الهرب.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.