بقلم ابراهيم الأمين نقلا عن جريدة الأخبار اللبنانية

كأن المعركة انتهت...
كأن المعركة انتهت...

الإحباط الذي يصيب الجبهة المقاتلة لإسقاط حكم الرئيس بشار الأسد في سوريا، زاد من عمق الأزمة الداخلية في البلاد. لوهلة، يبدو أن الخارج المعادي للأسد، ليس وحده المهزوم في هذه المعركة، بل معه جهات سورية كانت تعوّل على الخارج لإسقاط النظام. وهذه الجهات تظهر اليوم على شكل مغامرين قاصرين يتنقلون بين فنادق العواصم وجمهور وناشطين ومقاتلين لا يعرفون كيف يعدّون للخطوة التالية. كل ذلك أدى إلى فراغ واسع على الأرض، وليس في الميدان من يسده سوى أصحاب المشروع الأكثر راديكالية، الذي يرى في سقوط النظام، خطوة أولى، على طريق اسقاط المجتمع، وتحويله إلى نسق آخر، هو، في أحسن أحواله، نسخة عن حكم طالبان في افغانستان.
لم يعد أحد يقول بإمكانية إسقاط النظام سوى السعودية، ومعها هذه الجماعات. القوى الأخرى التي تورّطت في هذه الحرب، من الولايات المتحدة وأوروبا، إلى تركيا ودول عربية وجهات سياسية، باتت ترفع شعار «تغيير النظام». وبين قوى المعارضة للنظام من هو أكثر واقعية، فيدعو إلى مصالحة تقود نحو «شراكة في حكم سوريا».
على الأرض، لا أفق لاقفال باب الموت والنار. النظام مدعوماً من حلفائه، ولا سيما حزب الله، ينتهج سياسة تثبيت مواقع السيطرة، والعمل على تفكيك وتشتيت مراكز تجمع المجموعات المسلحة وقيادتها وانتشارها.
اليوم، صار في الإمكان القول ان من بيده القرار في سوريا، غادر منطق الحسم والسيطرة، وانتقل إلى منطق إفشال مشروع إسقاط النظام، وإلى الاستفادة، حتى الحد الأقصى، من تناقضات الجبهة المقابلة، لتحديد سقف متدن للتنازلات الإلزامية، يوم يدخل السوريون جميعاً قاعة البحث عن صيغة لإدارة شؤونهم من جديد.
لندع جانباً جنون مملكة القهر في السعودية. ولندع جانباً حالة الهستيريا التي تصيب القوى والحكومات التي أرسلت أو سهّلت انتقال «الجهاديين» من بلادها إلى أرض الشام. لهؤلاء حق الخشية من الآتي، لأن الاثمان ستكون، هذه المرة، من كيسهم هم لا من حصة الآخرين. يكفي، فقط، رصد حالة الاحتجاج الكامنة في أوساط تيارات سلفية داخل الخليج، وداخل السعودية على وجه الخصوص. وعند التدقيق، يمكن توقع، احتمال جدي بأزمة كبيرة هناك.
لكن، ماذا عن النظام، وماذا عن المعارضة السورية الجادة في سعيها إلى حل سياسي؟
في جانب النظام مناخات متشددة. هذا لا يعني ان الأسد لا يريد احداث تغييرات واسعة في جهاز الحكم ومؤسسات السلطة، لكنه لن يكون متساهلاً أو متهاوناً، بل سيكون التشدد سمة الأداء البارزة، وربما يترافق مع مكابرة، أو مع شيء من الاستعلاء الذي يشعر به حلفاء للأسد، لا خصومه فقط. ولهذه السياسة ما يبررها في هذه اللحظة. يكفي ان الأسد لمس مباشرة كيف تآمر الجميع عليه، وهو لمس كيف عمل العالم كله، وبمشاركة فئة غير قليلة من السوريين، على اطاحته بكل الوسائل، وهو الذي يعرف، بالدقة، ان أكثر من نصف القتلى الذين سقطوا في سوريا منذ بداية الأزمة، هم إما جنود أو عناصر أمن أو موالون له، مدنيين كانوا أو عسكريين.
يعرف الأسد، أيضاً، أن الذين فاوضوه مع بداية الازمة، أو لاحقاً، أو حتى الذين يرسلون إليه اليوم الرسائل، إنما يركزون على مقايضته بموقفه السياسي العام أولاً، ومن ثم، يريدون جميعاً اشراك فئة معينة من المعارضة في الحكم، ممن أظهرت الشهور الثلاثين الماضية انهم عملاء صغار لدى السفارات ورجال الاستخبارات، او من قدامى محاربي «الاخوان المسلمين».
يعرف الأسد، كذلك، انه يوم أقر، ولو نظرياً، باصلاحات جوهرية مسّت نظام البعث، لم يحصل، في المقابل، سوى على مزيد من النار لاحراق سوريا، وعلى عملية ابتزاز متواصلة: اما الرحيل أو دمار سوريا، وصار هؤلاء يقلبون الصورة، ويقولون إن الاسد يقول لنا: أنا أو لا سوريا.
لذلك، يصعب اليوم اقناع الأسد بالعودة ثلاثين شهراً إلى الوراء كأن شيئاً لم يحصل. ومثلما يقول معارضون إنه لا مجال لحوار مع النظام بعد كل القتل والدماء والدمار، فان الاسد نفسه يقول إن من الصعب صياغة تسوية موثوق بها مع من باعوا بلدهم وضحّوا بأهلهم مقابل حفنة من الدولارات ووعود بمواقع سلطوية.
في المحصلة، من يرد قراءة الوقائع السورية، فعليه ان يدرك، اليوم، أن الأسد وفريقه ليسا في موقع الخاسر الفعلي، هما خسرا بالقدر الذي خسرت فيه سوريا من ناسها وقدراتها، لكن هذا الفريق ليس تائهاً في الصحراء، ولا يقف في الطوابير أمام أبواب السفارات، وهو ليس شريداً أو طريداً. وهو لم يعد معزولاً كما كان قبل عامين وأكثر، وهو ليس متروكاً وحده، وأثبت له الحلفاء أنهم إلى جانبه وأمامه حين يقتضي الأمر.
من يرد محاورة الأسد اليوم، فعليه أن يوفر له كل عناصر الثقة، وهذه مسائل لا تقال على المنابر، ولا تصاغ في بيانات، ولا حتى في دساتير، بل يعرف الجميع أن عناصرها الواقعية تمثل نفوذاً في السلطة، وهو نفوذ لن يتركه الأسد.
استعداد النظام وقدرته على التقدم صوب تسوية داخلية متينة ومديدة، مرتبطان أيضاً بأهلية الطرف المقابل لتقديم ضمانات حقيقية، وهذا يعني أن المرحلة الانتقالية المنشودة قبل تحقيق تسوية شاملة، ستكون ــــ وبواقعية شديدة ــــ مرحلة حق الفيتو الذي يملكه الأسد في سلطة يشارك فيها الآخرون. وحق الفيتو له بعده الأمني والعسكري والمالي والاداري والاقتصادي والاجتماعي، ولا يتعلق بمصالح فئة صغيرة، كما يعتقد معارضوه.
ولمزيد من الواقعية والتبصر، فإن الأسد، اليوم، في وضع يسمح له بالعيش هكذا لسنوات إضافية، وبمقدوره تحقيق المزيد من عناصر الثبات في معركة مفتوحة. وبين يديه أوراق قوة تتيح له تحقيق إنجازات على الأرض، وتفتح الباب أمام أزمات أكثر قسوة في الجبهة المقابلة. كل ذلك، يعرفه الأسد، كما يعرف أن ثمنه ــــ مع الأسف ــــ المزيد من النار والدم والدموع.

ماذا عن المعارضة؟

في الأساس، أدى قصور قوى كثيرة في المعارضة إلى قراءات وتقديرات خاطئة حول حقيقة موازين القوى داخل سوريا وفي محيطها. والخونة من هؤلاء استعجلوا بيع الحراك الشعبي لخارج لا يهتم لمصالح السوريين. وهذا القسم من المعارضة يبحث اليوم عمن يقدم إليه مقعداً في طاولة حوار، ومن يرفع الصوت متعنّتاً فليس سوى خادم عند الخارج المعادي لكل سوريا. ومن الصعب توقّع أي دور فعال أو جدي لهذا القسم من المعارضة. ومن يتصل بقوى المعارضة المسلحة على الأرض، يسمع كلاماً في حق هؤلاء لا يصدر حتى عن النظام في سوريا. وقريباً، ستظهر إلى السطح الفضائح السياسية والأمنية والمالية، وإذا أفرجت تركيا ــــ فقط ــــ عن الموجودين في إقامة جبرية ضمن معسكرات على أراضيها، فسنسمع حكايات قد يبدو عندها مقبولاً الصفح عن أنطوان لحد. فكيف الحال، لو ان في عواصم الخليج جهات رسمية تسأل عن الأموال وإلى من وصلت، وكيف أنفقت؟
لكنْ، هناك فريق آخر من المعارضة، أدّت العسكرة والارتماء في أحضان الخارج الى جعل صوته أقل تأثيراً في الشارع، إلا ان المخزون الاخلاقي لهذا البعض وتاريخه النضالي، وصموده على موقف رافض للتدخل الخارجي، ولوصاية ممالك القهر ودول الاستعمار، وتضحيات ناشطين لا يزالون في السجون، وشهداء كثر سقطوا، كل ذلك، سيتيح لهذه المعارضة العودة الى مواقع متقدمة، ورفع الصوت عالياً، ليس في وجه النظام، بل في وجه من يعيق حلاً يوقف الحرب القائمة، وفي وجه كل شخصية أو فصيل مسلح، أو عاصمة أو جهة سياسية، لا تزال تحرض على الاستمرار في الحرب المجنونة التي لا طائل منها.
إلا أن هذه المعارضة تحتاج، هي ايضاً، الى وقفة تأمل ومراجعة، كما تحتاج إلى تدقيق في كل عناصر الأزمة، والى اعادة النظر في آليات العمل وادوات التحليل، وإلى واقعية شديدة، من دون ان يعني ذلك التخلي عن اصرارها على حصول تغيير حقيقي في النظام، لكنها واقعية تأخذ في الاعتبار موازين القوى من جهة، وحقائق الازمة السورية من جهة ثانية، وهي واقعية تتيح توسيع هامش الحل السوري على حساب الحل الخارجي لأزمة سوريا.
قلب هذه المعارضة، اليوم، هو «هيئة التنسيق». وهنا، لا ينفع كل كلام نقدي عن أحوالها القيادية أو شخصياتها أو عن الفعالية وخلاف ذلك، الحديث المفيد هنا، عن هذا الإطار، وعن روح البرنامج الخاص بها. وهذا يعني أن في امكان القيمين على الهيئة اليوم، داخل سوريا وخارجها، المباشرة في حوار يستهدف اعادة تقويم الأزمة، وبالتالي إعادة النظر في برنامج العمل. وليس منطقياً الثبات على الموقف والبرنامج والأشخاص والآليات، كأن شيئاً لم يحصل. ولا يكفي أن يقول هؤلاء ان المعارضة العميلة للخارج فشلت في إسقاط الحكم، وان النظام فشل في استعادة زمام المبادرة، بل من واجب هذه المجموعة البحث عن سبل لتوسيع قاعدة تمثيلها، بما يفسح في المجال أمام معارضين آخرين، من الداخل والخارج، للانضواء في صفوفها، والمشاركة في نقاش واقعي، وفي اختيار عناوين المرحلة المقبلة، والأهم، في تقديم وجوه اضافية قادرة على تحمل اعباء المرحلة المقبلة، حيث أوجاع السوريين الحقيقية، القاسية، التي تظهر بعد أن يبرد الجرح!
صحيح أنه لا يمكن العودة إلى ما قبل آذار 2011، لكن هذه القاعدة ليست في اتجاه واحد، بل في الاتجاهين. ومن يعتقد أن تسوية دولية أو إقليمية تكفي لحل الأزمة السورية، فإنه يكون واهماً، ولا يكون قد قرأ جيداً ما حصل في لبنان، وما يحصل اليوم في العراق. وبالتالي، فإن العنوان المركزي الذي لا بديل عنه اليوم هو: وقف الحرب الأهلية القائمة من دون أيّ شروط، لأن من يتحدث عن شروط مسبقة، هو نفسه من سبق أن تحدث عن لا جدوى الحوار من أساسه، وهو نفسه من أوهم السوريين بأن سقوط النظام مسألة أسابيع فقط!

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.