صحيفة السفير اللبنانية

سوريا: تداول البيعات يؤجّج الصراع بين «الجهاديين»
سوريا: تداول البيعات يؤجّج الصراع بين «الجهاديين»

بدا، أمس، أن مستوى الصراع بين الفصائل «الجهادية» في سوريا قد اقترب من نقطة الذروة، ما ينذر بانفجار مدوٍّ، قد يعيد رسم المشهد الميداني في الحرب السورية المستعرة، وقد تطال شظاياه دول الجوار، في ظل الانتشار غير المسبوق للجماعات والخلايا «الجهادية» المرتبطة بـتنظيم «القاعدة»، سواء تنظيمياً أو ايديولوجياً، على امتداد الوطن العربي، والذي ظهّرته الأزمة السورية، ومن قبلها التطورات في مصر، والاحتلال الأميركي للعراق. 
وفي تطور مثير للانتباه، سواء في توقيته المريب أو أهدافه الغامضة، أُذيع يوم أمس تسجيل لزعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري، تضمن «أحكاماً» صادرة عن «القيادة» بعزل زعيم «دولة العراق الإسلامية» أبو بكر البغدادي عن ولاية «الشام»، لمصلحة زعيم «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني، وحل تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)، التي نشأت بفعل دمج «دولة العراق الإسلامية» و«جبهة النصرة»، ومؤكدا أن «جبهة النصرة» هي فرع التنظيم في سوريا. 
الغموض والريبة اللذان أحاطا بهذا التطوّر، عززتهما ملاحظة أكثر غرابة رصدها المتابعون، وهي أن ما أذاعته قناة «الجزيرة» هو جزء من تسجيل قديم، وهو رسالة سبق أن تداولتها وسائل الإعلام في حزيران الماضي، رحّب بها الجولاني مبايعاً الظواهري، فيما قابلها البغدادي بالتشكيك، ما يثير تساؤلات وتكهنات بشأن الهدف من إعادة بثها، في ظل احتقان الموقف ميدانياً بين «داعش» و«النصرة»، وبعد تسريبات «جهادية» باحتمال انتقال زعيم «القاعدة» إلى سوريا لقيادة العمليات مباشرة، وفي ظل معلومات غربية بأن السعودية تستعد لتشكيل «جيش محمّد» يضم المجموعات الاسلامية الناشطة في سوريا، وذلك كبديل من «الجيش السوري الحر». 
ويبدو الصراع على وكالة «القاعدة» وحصريتها في بلاد الشام أبعد من مجرد صراع رمزي على إرث أسامة بن لادن. 
ومعروف أن تثبيت البغدادي فرعاً لـ«القاعدة» في «بلاد الشام» ــ بعد تثبيته فرعاً للتنظيم في «بلاد الرافدين» ــ ساهم في حصد رصيد «جهادي» كبير، فقد نجح «داعش»، خلال فترة بسيطة، في ضم آلاف «المهاجرين» و«المجاهدين» من سعوديين وشيشان وليبيين وتونسيين وعراقيين وأردنيين... بعدما تخلوا عن «الفاتح» الجولاني، وتحوّلت «جبهة النصرة» إلى تنظيم سوري بعد خروج غالبية «المهاجرين» منها، فيما كان البغدادي يتجاوز البيعة وحدود الولاية للظواهري، ليعين نفسه «أميراً للمؤمنين» يطلب بيعة عامة ممن والاه على السمع والطاعة. 
وتحسم إذاعة الشريط الصوتي للظواهري سجالاً دار بين البغدادي والجولاني وأنصارهما حول الرسالة التي كان قد نشرها الظواهري في حزيران الماضي بتولية الجولاني الشام. وكان البغدادي قد شكك في صحة تلك الرسالة ونسبتها إلى الظواهري، لكي يستمر في توحيد العراق والشام في ولاية واحدة وبيعة وحيدة. 
ومع التسجيل الصوتي، لم يعد بوسع البغدادي أن ينكر على الجولاني أسبقيته في تولي «قاعدة» الشام، بقرار من صاحب الدعوة نفسه، فقد قال الظواهري في التسجيل: «تلغى دولة العراق والشام الإسلامية ويستمر العمل باسم دولة العراق الإسلامية»، مؤكدا أن «جبهة النصرة لأهل الشام فرع مستقل لجماعة قاعدة الجهاد يتبع القيادة العامة». كما أوضح الظواهري أن «الولاية المكانية لدولة العراق هي العراق، والولاية لجبهة النصرة لأهل الشام هي سوريا»، وطالبهما بمساعدة بعضهما البعض بالرجال والسلاح والمال، محرّماً القتال بين الفصائل الجهادية. (تفاصيل صفحة 13) 
ويثير خروج التسجيل الصوتي وتوقيته عددا من الأسئلة حول مستقبل العلاقة بين التنظيمين المتنافسين على الولاية الشامية، والعلاقة مع «الجهاديين» الذين لن يستطيعوا تجاهل بطلان البيعة، بعدما ثبت بالدليل الصوتي أن «الهجرة الشامية» لا تقوم إلا بمبايعة الجولاني. 
ويقول خبير الجماعات «الجهادية» السورية عبدالله علي إن توقيت إخراج التسجيل الذي كان بحوزة «النصرة» منذ أشهر يهدف إلى إحراج البغدادي أيضاً. كما أن التسريب جرى بعد موافقة الظواهري، الذي قد يسعى لقطع أي علاقة مع «داعش»، خصوصا انه يعرف موقف البغدادي من الحل الذي طرحه بإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، وبالتالي إرجاع البغدادي إلى حجمه السابق، وقصر ولايته على العراق، وهو ما لن يقبل به. 
ويقود رفض البغدادي، بحسب توقعات مصادر «جهادية»، إلى اعتباره مرتداً ينبغي قتاله بعد سحب البيعة منه. 
ولن تفعل رسالة عزل البغدادي، وقرار «النصرة» توزيعها سوى تسريع الصدام بين «الفاتح» الجولاني وأبو بكر البغدادي، أي بين «داعش» و«النصرة»، والأرجح ألا تصمد سياسة التحالفات المحلية التي يقودها «داعش» إزاء «النصرة» من دون إعلان تحالف «وطني»، سيضطر معه أحد «الأميرين»، البغدادي أو الجولاني، إلى مبايعة الآخر. 
وكان الجولاني قد تعرض لمحاولة اغتيال في الربيع الماضي في غوطة دمشق، وقد قتل في هذه العملية، التي نسبت حينها إلى «داعش»، نحو 15 عنصراً من أنصاره. 
كذلك، فقد تعرضت «جبهة النصرة» إلى نزف كبير في صفوفها في خضم الالتباس والسجال حول وكالة «القاعدة» في سوريا، وقد خرج عشرات «الأمراء» والمقاتلين لينضموا إلى «داعش»، وكان آخر هؤلاء أمير «النصرة» في الرقة أبو عبدالله الذي بايع البغدادي. 
وتضاربت تعليقات المصادر «الجهادية» في سوريا على رسالة الظواهري. وقال مصدرٌ «جهادي» لمراسل «السفير» صهيب عنجريني إنّ الرسالة الصوتية التي بثتها قناة «الجزيرة» ليست جديدة، وإنما «هي الرسالة ذاتها التي سبق أن وجهها الشيخ الظواهري في حزيران الماضي». 
وأكد المصدر، وهو أحد القادة الميدانيين لـ«جيش المهاجرين والأنصار» الذي سبق أن بايع البغدادي زعيماً، أنّ «البغدادي قد ردّ حينها على رسالة الظواهري من دون أن يعني هذا نقضه البيعة»، وأضاف أن «الظواهري بدأ منذ ذلك الوقت العمل على رأب الصدع بين الإخوة المجاهدين لأنّ الهدف واحد، وإن اختلفت الأدوات، ولا ينبغي أن تتفاقم الخلافات». 
وأضاف أن «قيام الشيخ الظواهري بتوجيه رسالة جديدة في هذا التوقيت بالذات أمر غير وارد على الإطلاق، لأنه يتنافى مع مساعيه التي كادت تؤتي ثمارها، وتعيد توحيد الصّف»، معتبرا أن «بثّ الرسالة الصوتية في هذا الوقت محاولة لإحياء الفتنة». 
وعلى المسار ذاته، رأى مصدرٌ «جهادي» آخر، أنّ «الأمر يحتاج إلى قليل من التريث، ولا ينبغي أن يصب بث الرسالة الزيت على الجمر الذي كاد يخبو». وأضاف أن «الظواهري قادم قريباً إلى سوريا، بهدف إيجاد حلّ جذري للخلاف، وتوحيد داعش والنّصرة، وقيادة الجهاد بنفسه». 
لكن مصدراً على صلة بـ«جبهة النصرة» شدد على أنّ «من واجب البغدادي تنفيذ الحكم الصادر عن الظواهري، لأن عدم تنفيذه يعني الخروج على الإمام، ما يستوجبُ حينها قتال المرتدين حتى يفيئوا إلى أمر الله، ولعلّ بثّ الرسالة في هذا الوقت بمثابة إنذار أخير لتنظيم الدولة، الذي رفض تنفيذ مضمون الرسالة سابقا». 
ورجح الخبير في الحركات «الجهادية» السورية عبد الله علي أن يكون بث رسالة الظواهري في سياق «لعبة استخباراتية لتعويم الخلاف بين داعش والنصرة»، وذلك بعدما تراجع نفوذ الأخيرة عن صورة الأحداث في سوريا، منذ خلافهما في حزيران الماضي. 
وقال علي لمراسل «السفير» في دمشق زياد حيدر إن المثير للانتباه في رسالة الظواهري ليس مضمونها، لأن قصتها معروفة، مرجحاً أن يكون تم تسريب الشريط الصوتي، ولم يكن بمعرفة أو رغبة من الظواهري. 
ووضع الخبير في الشؤون «الجهادية» احتمالين، الأول أن يكون التسريب عبر قناة «الجزيرة» قد جرى بغفلة من «أمير القاعدة»، وتقف وراءه «جهة استخباراتية»، معتبرا أن الغاية من وراء هذه العملية، ولا سيما عبر استخدام بيان يعود لأشهر، «هو الفصل بين التنظيمين، وإعطاء النصرة بعض الزخم، ولا سيما أنها تخوض معاركها مع الجيش الحر المتهاوي أصلا». 
واعتبر علي أن «القاعدة» بطبيعة الحال على علم بتراجع نفوذ «النصرة» التي بايعتها، كما أنها لاحظت درجة القوة التي أصبح عليها «داعش» بشكل بات يهدد بخلق كيان جديد من التطرف الديني في المنطقة. 
وأضاف أن «الدولة الإسلامية في العراق» تشكلت من 26 تنظيماً أو مجموعة، بينها خلايا لـ«القاعدة» في بلاد الرافدين، ولا تعتبر تابعة فعليا للظواهري. 
أما الاحتمال الثاني فهو أن يكون التسريب الصوتي جرى بموافقة الظواهري، وهذا يعني أنه يسعى لقطع أي علاقة مع داعش، خصوصاً أنه يعرف موقف البغدادي من الحل الذي طرحه، ويعرف أن الرجل لن يتراجع مهما كان الثمن. 
ورأى أن الشريط «يثبت أن الظواهري تدخل في الخلاف بين الطرفين»، مهملا نظرية التشكيك التي ساقها البغدادي حينها، باعتبار الرسالة غير صحيحة، ما قد يحفز الخلافات داخل «داعش» أولا، ولا سيما لدى «قاعديي الهوى»، كما أنه سيرفع من قوة «النصرة»، التي تحالفت مؤخرا مع «حركة أحرار الشام» وتخوض معاركها إلى جانبها. 
ورغم ذلك، تبقى «داعش» هي الأكثر قوة، فوفقا لعلي لا يحتاج إثبات هذا الكلام لبراهين كبيرة، خصوصاً أن «الدولة الإسلامية» استولت على الرقة بين ليلة وضحاها، حين انقلب مسؤول الجبهة في المدينة على «النصرة» وبايع ورجاله البغدادي أميرا. 
ويمكن وضع هذا الصراع في سياق التنافس السعودي – القطري وهو تنافس يحتدم منذ فترة على إعادة تنظيم الفصائل «الجهادية» داخل المعارضة المسلحة. وهناك ترجيحات أن تكون «النصرة» تلقت أسلحة عبر الاستخبارات السعودية، التي يقودها الامير بندر بن سلطان، وفي المقابل عمل وزير الخارجية القطري خالد العطية، في اجتماعات عقدت في الريحانية وانطاكيا، على توحيد الفصائل الجهادية البارزة التي كانت تعمل على عزل «النصرة» و«داعش».

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.