طرابلس تنجو من «كمين الفتنة»
طرابلس تنجو من «كمين الفتنة»

كتب غسان ريفي في صحيفة السفير اللبنانية:

لم يكن ينقص الخلافات الممتدة منذ العام 1975 بين التبانة وجبل محسن سوى اتهام مجموعة من أبناء الجبل بتفجيري مسجدي «التقوى» و«السلام». ولم يكن ينقص التوتر في طرابلس، سوى استدعاء فرع المعلومات للأمين العام لـ«الحزب العربي الديموقراطي» النائب السابق علي عيد للتحقيق معه على خلفية اعترافات سائقه بأنه هو من طلب منه تهريب أحمد مرعي، أحد المتهمين الأساسيين في التفجيرين الى سوريا، وردة فعله العنيفة على هذا الاستدعاء.

كما لم يكن ينقص المتربصون شرا بطرابلس وبسلمها الأهلي سوى بدعة «فتوى أولياء الدم» الداعية الى الانتقام من عناصر «الحزب العربي الديموقراطي»، ليسارعوا الى استهداف أبناء جبل محسن العائدين من أعمالهم الى منازلهم بالرصاص والسكاكين في جرائم موصوفة تطلق رصاصة الرحمة على المدينة، وتشوه صورتها وتاريخها، وتضرب عيشها المشترك وسلمها الأهلي، وتعزلها عن محيطها، وتحرج قياداتها السياسية والدينية، وتضع الجيش اللبناني والقوى الأمنية أمام مسؤولياتهم في حماية المواطنين وفي تنفيذ خطتهم العسكرية المغطاة من أعلى المستويات على الصعيدين السياسي والوطني.
لم يعد خافيا على أحد، أن طرابلس تواجه تفاصيل مخطط أمني «جهنمي» من شأنه أن يُدخِلها في النفق المظلم، وأن يفتح الأبواب على مصراعيها للرياح الاقليمية، فيما القيادات السياسية والدينية تكتفي بالاجتماعات والبيانات التقليدية، وتعالج القوى الأمنية ذلك بأضعف الايمان، فيما أكثر من نصف مليون مواطن في عاصمة لبنان الثانية يواجهون مصيرا أسودا، وتصبح المدينة رهينة تلك الصراعات الخارجية.
ويبدو واضحا من سياق الأمور منذ انطلاق الجولة 17 أن عددا من الجهات تريد أن تحول طرابلس الى ساحة مفتوحة لمختلف أنواع المعارك. 
وعندما نجح الجيش اللبناني في فرض الأمن بقوة نيرانه، وفي أجبار الملسحين على التراجع والانكفاء، استدعى فرع المعلومات النائب السابق علي عيد الى التحقيق معه، فسارع الجيش الى إحتواء الموقف وأعاد فرض الأمن بعد سلسلة خروق كادت تطيح الهدنة، ليبدأ بعد ذلك الاعتداء على عناصر الجيش وإطلاق النار عليهم، وعندما عض الجيش على الجرح وتابع تنفيذ المهام المطلوبة منه وأعاد ضبط الأمن، صدرت الفتوى المشبوهة التي تبيح لأولياء الدم «أخذ حقهم بيدهم»، لتتفلت الاعتداءات من عقالها، ويتحول أبناء جبل محسن الى ملاحَقين أينما وجدوا وأينما حلوا، حيث تفيد تقارير أمنية عن تعرض أكثر من خمسين شخصا من أبناء الجبل، منذ انتهاء الجولة 17، الى اعتداءات تنوعت بين عشر حالات إطلاق نار على الأقدام، وعشرين حالة ضرب بآلات حادة، وعشرين حالة ضرب بالعصي والأيدي.
هذه المعطيات الخطيرة، تؤكد بما لا يقبل الشك أن الاحتقان في طرابلس وصل الى درجة غير مسبوقة، بفعل التحريض السياسي المستمر والشحن المذهبي المقيت، وأن بركان المدينة بات على وشك الانفجار.
كما تؤكد هذه المعطيات أن بيانات الاستنكار التي جاءت متأخرة كثيرا بعد خمسين اعتداء، لم تعد تجدي نفعا، وهي لا تعفي أصحابها من المسؤولية تجاه ما يجري، وأن الخطر الأمني المحدق بطرابلس والفتنة العمياء التي تلوح في أفقها، وكان آخرها «بوسطة باب التبانة»، يحتاجان الى مواقف مسؤولة تساعد على حماية المدينة، بعيدا عن المكاسب الخاصة، أو تصفية الحسابات السياسية المحلية التي يتفنن بها البعض، أو المصالح الانتخابية.
وإذا كانت النيابة العامة الاستئنافية في الشمال قد وضعت يدها على حادثة «البوسطة» وإدعت ضد كل من يثبته التحقيق مشاركا أو متدخلا أو محرضا، وإذا كانت التحقيقات التي قام بها الجيش أفضت الى معرفة الاشخاص الملثمين الذين اختطفوا «البوسطة» والى توقيف أحدهم، فان أبناء المدينة بدأوا يفقدون ثقتهم بكل هذه الاجرءات وبكل مؤسسات الدولة، خصوصا أن العشرات من الإشكالات المسلحة تشهدها مناطقهم من دون أن تحرك القوى الأمنية ساكنا، أو أن تقوم بتوقيف أي متورط أو مطلق للنار.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.