عبد الباري عطوان

أيام الائتلاف السوري باتت معدودة وليس أيام الاسد ونظامه
أيام الائتلاف السوري باتت معدودة وليس أيام الاسد ونظامه

عندما تشيد صحيفة “البعث” السورية الرسمية بالسيد الاخضر الابراهيمي المبعوث الدولي وتصفه بالرجل المخضرم المجرب، وعندما تنقل صحيفة “السفير” اللبنانية عن مصدر دبلوماسي غربي قوله ان السفير الامريكي روبرت فورد هدد قادة الائتلاف السوري المعارض خلال اجتماع اسطنبول الاسبوع الماضي، بانه سيعمل على حله اذا واصل رفضه الذهاب الى مؤتمر جنيف، فان هذين المؤشرين يشكلان انقلابا في الموقف الامريكي تجاه ملف الازمة السورية على غرار الانقلاب الذي حصل تجاه المشروع النووي الايراني.
من الواضح ان الكيل الامريكي تجاه المعارضة الخارجية، والائتلاف الوطني على وجه الخصوص قد طفح، ليس لان القاعدة الشعبية لهذا الائتلاف في الداخل السوري محدودة للغاية ان لم تكن معدومة، وانما ايضا لان نسيجه التنظيمي مهلهل، وقيادته منقسمة على نفسها ولا تتمتع بالاستقلالية وفوق ذلك تتصرف كما لو انها تنطق باسم دولة عظمى.
الائتلاف الوطني السوري تأسس في اسطنبول برعاية امريكية ليكون بديلا عن المجلس الوطني السوري حيث وقع في الاخطاء نفسها التي وقع فيها سلفه، ولم يستوعب بالتالي المتغيرات الاقليمية والدولية، وظهور قوى ميدانية وسياسية جديدة على الساحتين الدولية والسورية، واغلق ابوابه، اي الائتلاف، في وجه جماعات اخرى معارضة من منطلق المماحكات السياسية والشخصية وتوصل الى تفاهمات استراتيجية حول الهوية السورية مع قوى كردية وكأنه ضمن الحكم مسبقا مثلما ضمن سقوط النظام.
ما لم يستوعبه الائتلاف الوطني السوري ان الولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية الاخرى التي تشكل العمود الفقري لمنظومة اصدقاء سورية، تغيرت، وباتت تسقط الحل العسكري للازمة السورية من جميع حساباتها، وتفضل حلا سياسيا يقود الى جبهة موحدة، من السلطة والمعارضة “المعتدلة”، تواجه الجماعات الجهادية الاسلامية التي تشكل الخطر الاكبر على المصالح الامريكية واستقرار المنطقة بأسرها حسب نظريات بنوك العقول الامريكية ودراساتها.
السفير فورد الذي لعب دورا كبيرا في دعم الانتفاضة الشعبية السلمية في سورية، وخرق كل الاعراف الدبلوماسية عندما توجه بسيارته الى حماة للقاء رموزها في بداياتها الاولى يعرف البلاد جيدا، ويتحدث لغتها بطلاقة، وبات المهندس الوحيد لسياسة بلاده فيها، وعندما يقول لقادة الائتلاف الوطني “اننا انشأنا المجلس الوطني قبلكم ثم قمنا بتهميشه، وقادرون على فرطكم ايضا والاتيان بغيركم” فانه يعني ما يقول، فاين قادة المجلس الوطني الاوائل والجدد وما هو وزنهم؟
***
لا بد ان تصريحات قيادة الائتلاف التي اكدت رفضها الذهاب الى مؤتمر جنيف، وعدم الجلوس مع ايران التي دعاها الاخضر الابراهيمي، على مائدة المؤتمر نفسه، والاصرار على شرط تنحي الرئيس الاسد من السلطة، هذه التصريحات استفزت السفير فورد فيما يبدو، ودفعته الى اصدار تهديداته هذه، وفق ما تبلور لديه من قناعات جديدة تنسف ما قبلها.
اتفاق عقد مؤتمر جنيف الثاني ليس قرارا امريكيا وانما ثمرة تفاهم الدولتين العظميين امريكا وروسيا حول كيفية حل الازمة السورية، ولهذا غير مسموح للائتلاف الذي يعيش تحت خيمة المعسكر الامريكي ان يعترض، او يفرض شروطه لان الخروج عن النص الامريكي المكتوب يعني زواله من الخريطة كليا، فعندما تتصارع الفيلة يكون العشب هو الضحية مثلما يقول المثل الانكليزي.
الادارة الامريكية كممثلة لقوة عظمى تضع سياساتها، وتصيغ مواقفها، حسب مصالحها، ولا تعير اهتماما لمواقف اقرب حلفائها اذا تعارضت مع هذه الحقيقة، فقد اختلفت علنا مع المملكة العربية السعودية ولم تأبه لـ”حردها” الاخير، وادارت ظهرها لتركيا اردوغان ولم تغضب كثيرا لشرائها صواريخ صينية، وجمدت مساعداتها لمصر الفريق اول عبد الفتاح السيسي، ولا نعتقد ان الائتلاف الوطني السوري الذي لا يحظى بأي اعتراف من قبل الفصائل المقاتلة على الارض، بما في ذلك الجيش الحر، اكثر اهمية من هذه الدول الثلاث الاقليمية الكبرى.
نقطة التحول الرئيسية في موقف ادارة الرئيس اوباما تجاه الازمة السورية في رأينا لا تتمثل فقط في اسقاط الحل العسكري، والتركيز على محاربة الجماعات الجهادية كأولوية تتقدم على اولوية اسقاط النظام تحت مسمى “التغيير الديمقراطي” وشعارات حقوق الانسان، وانما في اسقاط المعارضة الخارجية من المعادلة، والتركيز على المعارضة الداخلية باعتبارها الاكثر تمثيلا، والاكثر رسوخا على الارض، واكثر استقلالية وعلمانية، من حيث عدم الخضوع لقوى اقليمية خليجية على وجه التحديد.
السيد الابراهيمي كان حريصا اثناء زيارته الاخيرة لدمشق على اللقاء برموز هذه المعارضة الداخلية، وتجاهل المعارضة الخارجية كليا، مثلما كان حريصا على محو خطيئته الاولى التي اغلقت ابواب دمشق في وجه لما يقرب العام عندما فاتح الرئيس السوري بعدم الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
***
المبعوث الدولي لم يخطيء في الحالين، الاولى عندما تجرأ وطالب الرئيس الاسد بعد الترشح للانتخابات واستحق حفلة من السباب والشتائم من الاعلام السوري الذي وصفه بـ”السائح المعمر” الذي حظي برحلة ترفيهية حول العالم ويطبق السياسة الامريكية، والثانية عندما تخلى عن هذه المطالبة معتذرا بطريقة غير مباشرة واستحق الثناء من الاعلام نفسه بعد مغادرته دمشق يوم امس، ولقائه الرئيس الاسد مكافأة له، ففي المرتين كان يعكس مزاجا امريكيا لا يستطيع تجاهله.
لقاء المستر فورد بالسيد قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري حتى قبل اربعة ايام، وعضو الجبهة الشعبية للتغيير السلمي “المعارضة”، كان مؤشرا على يأسه وادارته من الائتلاف الوطني، والبحث عن بديل داخلي، وهذه ما فعله السيد الابراهيمي، مع فارق اساسي وهو ان امريكا لم تعد تقرر وحدها في الملف السوري، وانما بالتوافق مع شريكها الروسي القوي.
السيد جميل ربما خسر وظيفته “الشكلية” كنائب لرئيس الوزراء السوري للشؤون الاقتصادية عندما التقى المستر فورد في جنيف ايا كان الذي طلب اللقاء، ولكنه ربما كسب موقعا آخر اكثر اهمية، اي احتلال مقعد مهم في قيادة المعارضة السورية الجديدة التي يعكف التوافق الروسي الامريكي على بلورتها خلفا للائتلاف الوطني، وبتنسيق “غير مباشر” مع القيادة السورية في دمشق مثلما تبين لاحقا.
الغزل القطري مع حزب الله والنظام السوري والبرود التركي المتنامي تجاه الجماعات الجهادية وتجميد حساباتها نتيجة لغضوط امريكية، والغضب السعودي الملحوظ تجاه انقلاب السياسة الامريكية، وتراجع الخبر السوري تدريجيا كخبر اول في نشرات قناة “الجزيرة” ومعه شهود العيان، وتحليلات المفكرين والخبراء العسكريين وحواسيبهم، كلها مؤشرات تؤكد ان ايام الائتلاف الوطني السوري وليس ايام نظام الرئيس الاسد باتت معدودة جدا اللهم اذا استمع الى املاءات المستر فورد وطبقها حرفيا، وربما هذا لن يكون كافيا.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.