حسن م. يوسف نقلاً عن جريدة الوطن السورية

مَارْ حُوْبَا «الله محبة»
مَارْ حُوْبَا «الله محبة»

إذا كنتم لم تسمعوا بالمتصوف محمد بن عبد الجبار بن حسن الملقب بالنِّفَّري، فلا شك أنكم سمعتم أو قرأتم عبارته الشهيرة: «كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة». إلا أن هذه المقولة، على عمقها وجمالها وصحتها وإطلاقها، ليست هي ما استدعى ذكرى النفري اليوم إلى خاطري.

 ما ذكرني بالنفري هو عبارة أخرى له هي: «العلم المستقر هو الجهل المستقر». غير أن السبب ليس اكتشافياً لهذه الفكرة الحصيفة العميقة، فأنا أعرفها وأرددها وأومن بصحتها، منذ عقود، غير عالم أن فيها فخاً موقوتاً يجعلها تنطبق على من يرددها إن عاجلاً أو آجلاً. وقد انطبق فخ هذه العبارة عليَّ البارحة، إذ اكتشفت أن يقيني بعلمي وركوني إليه أوقعني في الجهل!
أحسب أنكم تعرفون معنى كلمة «مرحبا» وترددونها مئات وربما آلاف المرات كل يوم، فحتى المتشككين مثلي؛ الذين يعودون للمعاجم على الطالعة والنازلة، يثقون بمعرفتهم التامة لهذه الكلمة التي تبدو بسيطة لا لبس فيها، وقد كنت حتى البارحة على يقين قاطع بأن «مرحبا» مشتقة من الفعل العربي رَحَبَ لأنني بحثت عنها قبل أعوام في «لسان العرب» لابن منظور وأذكر قوله إن معنى قول العرب مَرْحَباً هو: «انزل في الرَّحْب والسَّعةِ، وأَقِمْ» بيننا، وعندما يقولون لقادم عليهم: «مَرْحَباً وأَهْلاً» يقصدون أنك «أَتَيْتَ سعةً، وأَتَيْتَ أَهْلاً، فاسْتَأْنِس ولا تَسْتَوْحِشْ».
لكنني علمت البارحة أن «مرحبا» لا تقتصر على المعنى السابق الشائع، إذ يقال إنها عبارة سريانية قديمة تتكون من كلمتين «مار» و«حوبا» وهي تعني «الله محبة». ومن المعروف أن ظل السريان يغطي تسعة آلاف عام من التاريخ ولهم حضور واضح في اسم سورية.
قلبت الفكرة في رأسي مستحسناً معناها. وبينما كنت أفكر بها، خطر لي أن لغتنا تشبه أرضنا، ففي كلماتها تكمن طبقات من الدلالات تشكلت على مر التاريخ، ونحن، بكل أسف، لا نعرف من تلك الدلالات سوى قشورها المتداولة.
قبل سنوات التقيت خلال أمسية أدبية لي في مدينة يبرود العريقة بالأب الأرشمندريت جورج حداد الذي يجري دراسات علمية على حضارة مملكة أوغاريت التي كانت حدودها الجغرافية التاريخية هي الحدود الحالية لمحافظة اللاذقية! حيث ابتكر المعلم الأوغاريتي في موقع رأس شمرا قرب مدينة اللاذقية السورية، قبل أربعة وثلاثين قرناً من الزمن، أول أبجدية في تاريخ البشرية، ما يزال ترتيب حروفها متبعاً في كثير من اللغات الحية حتى الآن.
وقد ذهلت عندما قال لي الأب جورج إن كلمة (يا قرد)التي يرددها أبناء ريف اللاذقية، ليست عربية، بل أوغاريتية، وليس لمعناها الحقيقي أي علاقة بذلك الحيوان المعروف، كما يظن بعض الناس! فقد تم العثور على نص أوغاريتي ترد فيه لفظة «يا قرد» بمعني (يا قوي، يا جبار)! أي إن عبارة (يا قرد) التي تتردد على ألسنة القرويين في جبال اللاذقية هي لفظة دعاء واستجارة توارثها الأبناء عن الآباء عبر آلاف السنين! وقد ظلوا يكررونها حتى بعد أن نسوا معناها الأوغاريتي الحقيقي!
أدهشني الاكتشاف، فبدأت أفكر بالعبارات المتوارثة الملتبسة التي ما تزال دارجة في قرانا. في طفولتي كان الواحد منا عندما يريد أن يستنجد أو أن يعبر عن دهشته، أو استحسانه لشيء ما، كان يقول «أيلي!» ومع أنني لست متخصصاً في هذا النوع من البحوث إلا أنني أجد في نفسي ما يكفي من الجرأة كي أقول أن معنى هذه العبارة (يا إلهي)! فمن المعروف أن (إيل) هو كبير الآلهة العربية السامية وقد كانت عبادته دارجة في المناطق السورية الساحلية حتى أن لبنان كان يطلق عليه اسم «بيت إيل» وقد قرأت في (موسوعة الفلكلور والأساطير العربية) لشوقي عبد الحكيم أن جميع الشعوب والقبائل السامية ادعت انتماءها إلى هذا الإله، فكلمة (إيل) في اللغات السامية تعني «رب» كما تعني القدرة أو القوة عند اليونان والكلدان، وتذهب الأساطير إلى أن إيل هو الذي بنى مدينة جبيل، ويوصف بأنه كان يملك أربعة عيون، عينان إلى الأمام وعينان إلى الخلف، عينان يقظتان، وعينان نائمتان أي أنه كان بوسعه أن «ينام مستيقظاً ويستيقظ نائماً»
اليوم، يحتاج السوري، أكثر من أي وقت مضى، أن يدرك عندما يقول «مرحبا « أنها تعني بالسريانية: اللـه محبة.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.