ما العوامل الرئيسة التي تتحكم بمصير مؤتمر جنيف 2؟
ما العوامل الرئيسة التي تتحكم بمصير مؤتمر جنيف 2؟

كتب أمين حطيط :

رغم كل ما قيل ويقال عن تحديد مواعيد لـ«مؤتمرجنيف 2» فاننا نرى ان هذا المؤتمر ما زال عرضة للتجاذب، ولم ينتقل الى فلك الحقيقة الثابتة اذ ان هناك اكثر من عامل مؤثر على القرار به لم تكتمل عناصره ولم يرس على بر الاستقرار بما يمكن من القول بحتمية الانعقاد او صرف النظرعنه.وخاصة ان هذا المؤتمر العتيد خاضع في مصيره لعوامل تتحرك في الداخل السوري، ومؤثرات اقليمية، فضلا عن المعادلات الدولية التي تتحكم به.‏

ومع دراسة الفئة الاولى من العوامل تلك خاصة الميدانية منها يمكن القول بان الاتجاه العام الان لا يوحي بقرب انعقاد المؤتمر لان الحكومة السورية تتقدم بقدم ثابتة وفقا لاستراتيجية واضحة تتسم بالحركية والمرونة، وفي المقابل نجد ان الجماعات المسلحة تتقهقر على اكثر من صعيد ما يجعل فريقاً من اطراف النزاع يشعر بانعدام التوازن الذي يتيح له الجلوس على طاولة التفاوض وهنا نذكر بشكل خاص :‏

الانجازات العسكرية النوعية التي حققها الجيش العربي السوري في الآونة الاخيرة خاصة في محيط دمشق وحلب ما جعل الكفة ترجح بشكل ظاهر واكيد لصالح الدولة التي تقوم بعمليات عسكرية دفاعية نوعية، وتدفع المسلحين الى الموت او الفرار او التضعضع المترافق مع اليأس والاحباط وانعدام الثقة بالمستقبل وبمن يسمون انفسهم قادة وامراء لهم. احباط يعبر عنه بما بات سمة للمرحلة الراهنة من سلوك المسلحين الذين يسارعون الى التهويل والاستغاثة بهذا او ذاك هربا من المصير المحتوم. وهنا لا بد من التنويه بان الانجازات الهامة في جنوبي دمشق، معطوفة على ما تحقق في جنوبي شرق حلب من تطهير وفك حصار، كلها انجازات جاءت من طبيعة استراتيجية يبنى عليها في العمليات العسكرية القادمة خاصة ما يدور الحديث حوله من استعداد الدولة لاستكمال تطهير ريف دمشق وتنظيف المنطقة الغربية منه واقفال الحدود اللبنانية كليا بوجه المسلحين مع ما يعني ذلك من خروج لبنان كليا من المعادلة الميدانية عند تحقق اهداف العملية تلك.‏

التضعضع والانشقاقات في صفوف المسلحين. فقد تزايدت في الاونة الاخيرة عمليات التفكك والتشرذم في صفوف المسلحين اولا، وبين الجماعات المسلحة والهيئات السياسية التي تدعي تمثيلها ثانيا. وهنا نسجل الحجم المتزايد للجماعات المسلحة التي تسلك طريق التوبة والعودة الى كنف الدولة، كما وحجم الجماعات التي تخرج من الميدان وتعود الى منازلها ان كانت سورية الجنسية او تغادر الى الخارج ان كانت من غير السوريين. ويضاف الى ذلك كثرة الانشقاقات في صفوف تلك الجماعات وانفصالها عما كان يسمى قيادة لها في الخارج، ويسجل هنا اعلان اكثر من 180 تنظيما او جماعة من اصل 500 تعمل في سورية عدم اعترافها بالصفة التمثيلية لما يسمى «المجلس السوري» او «الائتلاف المعارض» الذي شاءته اميركا وعربان الخليج ممثلا للشعب السوري.‏

التناحر والاقتتال بين الجماعات المسلحة وتدمير بعضها للبعض الاخر، بحيث يضطر الكثير منها للعمل على جبهتين او اكثر، واحدة باتجاه الجيش العربي السوري، والاخرى باتجاه جماعة مسلحة او اخرى.‏

بداية التضييق الخارجي على الجماعات المسلحة من حيث منع تزويدها بالسلاح والذخيرة والمقاتلين ما يؤدي الى تجفيف مصادر القوة ودفعها الى الوهن والترهل. والملفت هنا ان توزع ولاءات الجماعات المسلحة بين السعودية وقطر وتركيا وصولا الى تشكل ما يطلق عليه «التكتل العسكري السعودي «، و» التجمع التركي القطري «، اضافة الى ما يسمى «جيش حر»، ثم دخول هذه المكونات في صراع دموي فيما بينها اولا، وصراع مع فئات شعبية خاصة الاكراد ثانيا، واخيرا دخول تركيا على خط المواجهة النارية عبر اطلاق النار على بعض مكونات «التكتل السعودي»، ان حصول كل ذلك يوحي بامر اكيد هو ان الحكومة السورية التي تملك الرؤية والخطة والقرار بملاحقة هذه الجماعات الارهابية المسلحة قادرة على انجاز المهمة دون اي شك بنجاحها في ذلك وبالتالي يمكنها ان تتعامل مع الطروحات السياسية على ضوء هذه الحقيقة.‏

اما في العوامل السياسية خاصة الاقليمية فاننا نجد ان بعض القوى ترى في انعقاد مؤتمر جنيف في ظل الواقع الميداني القائم والمعادلات الدولية المستجدة خسارة استراتيجية كبيرة لها، وبالتالي ترى ان مصلحتها تكمن في منع انعقاد المؤتمر الان او تأخير انعقاده وقتا ترى انها بحاجة اليه من اجل اعادة توازن ما او احدث خرق ما لصالحها، ويأتي في طليعة هذه القوة المملكة العربية السعودية التي باتت تشعر بالعزلة الدولية نتيجة خيبات الامل والخسائر المتلاحقة ما دفعها للتصرف بشكل انفعالي هستيري مغادرة التقليد الذي اعتمدته في سياستها الخارجية المتسم بالرتابة والهدوء والبعد عن الاستفزاز الظاهر واخفاء ما تضمره من شر ضد الاخرين، وجاء تصرفها مؤخرا برفض مقعد انتخبت له في مجلس الامن مثلا صارخا على انعدام التوازن هذا. اذ بعد ان بذلت كل ما في وسعها لتصل الى هذا المقعد، حتى فازت به، رفضته بذريعة ازدواجية المعايير في الامم المتحدة وفي اللحظة ذاتها قدمت للامم المتحدة مشروع قرار لادانة ما تسميه مقاتلين اجانب في سورية وتعني بهم حزب الله، في تصرف اثار استهجان العقلاء المتابعين لحركة العلاقات الدولية، ما حدا بروسيا الى ادانة هذا السلوك ودفع الاخرين الى الاستنتاج بان من يرفض العمل في مجلس الامن وهو اعلى هيئة دولية معنية بالامن والسلم الدوليين لن يدخر جهدا في عرقلة مؤتمر جنيف2 الذي سيحضر القرارات لتعتمد لاحقا بصيغة او اخرى في المجلس لتتخذ صفة المشروعية الدولية. وبالتالي فاننا نتصور بان السعودية ستعمل مباشرة او عبر القوى التي تحركها لمنع انعقاد المؤتمر الا اذا ضمنت موقعا تحلم به وحصة تريدها في النتائج وهو امر لا يمكن تصور حصوله في ظل ما هو قائم اليوم.و يضاف الى السعودية من الخاسرين قوى اخرى اقليمية واوروبية ومنها فرنسا بشكل واضح.‏

وعلى الصعيد الدولي يتقدم الملف النووي الايراني ويؤكد اهميته في صياغة المعادلات الدولية خاصة بعد ان بات اليوم المدخل لاعادة العلاقات بين ايران والغرب، واحد الابواب التي تستعملها ايران في ممارسة سياسة الانفتاح التي اعتمدتها منذ انتخاب الشيخ حسن روحاني رئيسا للجمهورية. واذا كانت جولة المباحثات الاولى التي انعقدت في الاسبوع الفائت شكلت المدماك الاول لبناء الثقة بين الاطراف ما جعل الغرب يثني – وان بتحفظ ما – على الوجه الايجابي للسلوك الايراني الجديد، فاننا نتوقع في الجولة المقررة في 7 تشرين الثاني وما قد يليها من تدابير وجولات تفاوض، نتوقع استكمال بناء الثقة مع محاولة احداث ثقب ولو صغير في الجدار قد يشكل اساسا يبنى عليها للدفع في اتجاه حل سلمي لهذا الملف. وربطا بكل ذلك سيكون مؤتمر جنيف2 بشأن سورية متأثرا بالنتائج تلك سلبا او ايجابا، وعليه لا نتوقع ان يجازف الامين العام للأمم المتحدة بالقيام بتعيين موعد لمؤتمر جنيف2 قبل انتهاء تلك الجولة من المفاوضات.‏
سورية الان - الثورة
وبنتيجة كل ذلك نرى ان موعد مؤتمر جنيف 2 لم يحن بعد، ولم يقترب بشكل يقود الى تأكيد حدوثه في المدى المنظور. ورغم ان الحكومة السورية تريد الاسراع – دون التسرع – بانعقاد مؤتمر جنيف 2 وبالضوابط التي حددتها حفظا للسيادة واحتراما لارادة الشعب السوري وقراره المستقل، تريده لانه سيشكل الطريق الى الحل السلمي الذي يوقف العدوان ويضع حدا للقتل والتدمير، رغم كل ذلك فان الحكومة السورية تتعامل كما يبدو مع الشأن على قاعدة الفصل بين السياسة والارهاب فان حقق العمل السياسي الغاية المرجوة وادى الى وقف الارهاب يكون خيرا، وان لم يفعل فان قواتها ستستمر في ملاحقة الارهاب حتى استئصاله من سورية وهي تعمل على اساس ان المؤتمر قد يعقد غدا، او قد لا يعقد، وتتصرف على ضوء ما يمليه عليها واجبها حيال الشعب والوطن ولهذا فهي تستمر في تقديم اقصى التسهيلات من اجل تسهيل انعقاد المؤتمر دونما تنازل مهما كان طفيفا اذا تعلق الامر بالثوابت

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.