حسن م. يوسف نقلاً عن جريدة الوطن

الأستاذ وأجنحة السوء
الأستاذ وأجنحة السوء

«خبر السوء له ألف جناح» هذا المثل الشعبي اختبرت صحته نيران الأزمنة في مختلف المجتمعات، حتى ليمكن القول إن كل إنسان في هذا العالم قد أعاد اكتشافه بطريقته الخاصة، ولعل صياغة ونستون تشرشل لهذا المثل الشرقي القديم تكاد تكون الأكثر طرافة: «تقطع الكذبة نصف المسافة حول العالم قبل أن تتمكن الحقيقة من ارتداء سروالها»‏.‏

وقد جاء في كتاب «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» للمؤرخ والباحث الدمشقي محمد أمين فضل اللـه المُحبِّي 1651 - 1699: «اعلم، أصلحك الله، أن خبر السوء ينمو ويربو، ويبلغ متراكماً متضاعفاً، ويصل متواتراً مترادفاً. ثم إنه في السرعة يقطع مسافة سنةٍ في جمعة، وذلك أنَّ الشرَّ أغلب في الطباع، والهوى كما يعلم به القاضي شفيعٌ مطاع...».
يوم الجمعة ما قبل الماضي، أثبت خبر السوء فعاليته مجدداً، فقد قام صاحب أحد المواقع الإلكترونية الباهتة بالإعلان عن رحيل رجل العلم الجليل موفق الخاني صاحب البرنامج العلمي الأشهر «من الألف إلى الياء». وخلال دقائق انتشر الخبر على آلاف الصفحات، ومن بينها صفحتي، وراح الجميع يتحدثون عن فضل وفضائل الأستاذ الخاني الذي ترك أثراً لا يمحى على طفولة وشباب وكهولة عدة أجيال من أبناء سورية والدول المحيطة بها التي كان يصلها البث الأرضي للتلفزيون السوري. وبعد ساعات أعلن الأستاذ وسيم الخاني ابن العلامة الجليل أن والده ما زال في الأحياء وهو بصحة جيدة وسوف يكرم بعد أيام في المركز الثقافي بأبي رمانة. لكن هذه الحقيقة الطيبة لم تتمكن من اللحاق بخبر السوء الخارق لجدار الصوت، الذي راح يتناسخ محلقاً في كل الاتجاهات حتى اليوم!
في البداية شدهت إذ لم أتمكن من معرفة السبب الذي جعل ذلك «السيد» يقدم على هذه الفعلة المخزية! لكنني، بوصفي كاتب قصة وسيناريو، سرعان ما كونت تصوراً عمَّا جرى بمجرد أن ألقيت نظرة ثانية على المقال.
الشيء الأكيد هو أن كاتب المقال يعرف، حق المعرفة، أن مقاله مجرد تجميع لمعلومات عن الأستاذ موفق الخاني، ليس فيها من جديد، ولعلمه بأن مقاله يفتقر لأي قيمة مضافة، فقد فبرك قصة رحيل الأستاذ الخاني، كي يجذب الناس لموقعه ويدفعهم لقراءة مقاله، لعلمه بالمكانة الرفيعة التي يتمتع بها الأستاذ الخاني في وجدان السوريين.
في ضوء ما سبق يمكننا القول إن جل المعطيات ترجح أن كاتب ذلك المقال هو ممن يطلبون الشهرة ولو على رأس خازوق، ونظراً لأن أفظع عقاب يمكن إنزاله بمن يطلب الشهرة عبر الأفعال القبيحة، هو تجاهله، لذا اسمحوا لي أن أتعمد عدم ذكر اسمه، عن سابق إصرار وترصد.
لهذه المناسبة أنحني لأستاذنا الفاضل موفق الخاني الذي حارب، بشكل مباشر، من خلال برنامجه الذي استمر أكثر من أربعين عاماً من أجل التفكير العلمي، في مواجهة الخرافات والفكر الغيبي المغلق. ورسخ في العقول ضرورة احترام العالم الطبيعي بكل مكوناته، كما علم الأجيال، بشكل غير مباشر، أن المنطق هو دراسة صور الفكر وطرق الاستدلال السليم، وأن المنهج العلمي هو السبيل الأمثل لفحص الظواهر والمعارف المكتشفة.
أحسب أن برنامج «من الألف إلى الياء» لعب دوراً في تشجيع مشاهديه على التفكير العلمي أكثر من كل كتب العلوم المقررة في مدارسنا.
لن أقترح إعادة عرض برنامج الأستاذ الخاني لأن المخترعات العلمية غالباً ما تلغي بعضها، إذ سيكون من المضحك أن نتحدث عن أهمية اختراع التليكس، الذي خرج من الاستخدام ولم يعد يذكره أحد، في زمن البريد الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي. لكنني أقترح، كنوع من التحية للأستاذ الخاني ولكل من شجعونا على التفكير العلمي، إحداث مادة في مدارسنا عن «تاريخ العلم وجماليات العالم» تعرض خلالها أفلام مختلفة ذات مستوى علمي وجمالية رفيعة عن مختلف الظواهر الطبيعية والمكتشفات العلمية، يعقبها حوار مفتوح بين المعلم وتلاميذه. أتراني أحلم؟ آمل أن لا.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.