د. عصام التكروري

القرار 2118: مجلس الأمن والكتابة بحبر كوسوفو
القرار 2118: مجلس الأمن والكتابة بحبر كوسوفو

منذ صدوره عن مجلس الأمن الدولي في 27 أيلول 2013، أثار القرار 2118 الكثير من التأويلات المتضاربة مصدرها الرئيسي الفقرة 21 منهوالتي منحت المجلس - في حال عدم الامتثال لهذا القرار- صلاحية فرض تدابير تصل إلى درجة التدابير العسكرية وفقاً لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، تدابيرٌ هللت لأجلها دول وأطراف سوريّة ترى في التدخل العسكري العلني لإمبراطورية الشر الأميركية الوسيلة الأنجع لإسقاط الدولة السورية، هذا الهدف الذي عجز الإرهاب المُصنَّع من بعض الأشقاء العرب والمدعوم إقليميا والمُتبنى من دول الناتو عن تحقيقه.

 
تعميم وتداخل يشوبان قرار مجلس الأمن
في الواقع، القرار الآنف الذكر يشوبه شيء من التعميم والتداخل في المفاهيم لدرجة قد تجعله «حمّال أوجه» من الناحية القانونية، أما سياسياً فواضح تماماً أن القرار هو اتفاق أميركي روسي للتقدم خطوة باتجاه حل ما للحرب في سورية وعلى سورية،
فإلى أي حد ما زال بإمكان الناتو أو واشنطن منفردة أن تتدخل عسكرياً في سورية من دون موافقة مجلس الأمن؟ وإلى أي مدى يمكن للقرار 2118 أن يمنح المُتدخل الذريعة لارتكاب جريمة العدوان تحت غطاء التدخل العسكري الإنساني؟ (مادتنا المنشورة بتاريخ 7/ 9/2013 بعنوان «الإشارات السامة»... من يلتقطها؟)
وهل التموضع الحالي للقوى الدولية يفسح المجال أمام عدوان كفهذا من خارج مجلس الأمن؟
بمعنى آخر، هل كُتِب القرار 2118 بالحبر ذاته الذي كُتبت به قرارات مجلس الأمن التي صدرت حول كوسوفو وانتهت بزوال الاتحاد اليوغسلافي من الخريطة؟
باختصار بالغ الشِّدة نقول إن هذه الأسئلة طُرحت عشية الحرب على يوغسلافيا السابقة، فمع انفجار الأزمة هناك في أوائل عام 1998، أصدر مجلس الأمن القرار (1160) - في 31 آذار 1998- والذي أكد فيه التزامه «-بسيادة الدولة اليوغسلافية واحترامه لوحدتها الإقليمية»، وأدان الأعمال العدائية كافة تجاه المدنيين في كوسوفو سواء تلك التي ترتكبها القوات اليوغسلافية أو جيش تحرير كوسوفو داعياً الطرفين إلى إيجاد حل سلمي للصراع الدائر بينهما من خلال الحوار المباشر، هذا القرار وُضِع تحت الفصل السابع، لكن المجلس لم يَر في الوضع في كوسوفو، حتى ذلك الحين، «تهديداً للسلم والأمن الدوليَّين».
وإزاء تصاعد عمليات العنف أصدر المجلس القرار (1199) ـ في أيلول 1998 -أكد فيه على مضمون القرار 1160، لكنه اعتبر أن الوضع في كوسوفو بات يُشكل «تهديداً للسلم والأمن في المنطقة»؛ وانتهى إلى أن عدم تنفيذ الإجراءات الواردة في القرارَين (1160) و(1199) سوف يدفع بالمجلس إلى اتخاذ «إجراءات إضافية، للحفاظ على السلم والاستقرار في المنطقة»، ولكن في 24 آذار 1999 شنَّ حلف شمال الأطلسي عملية عسكرية واسعة ضد يوغسلافيا السابقة دون انتظار قرارات جديدة عن المجلس، والذي تحوّل دوره بعدها إلى إضفاء المشروعية على جريمة العدوان التي ارتكبها الناتو على الاتحاد اليوغسلافي عبر إصداره القرارين 1239 تاريخ 14 أيار 1999، و1244 تاريخ 10 حزيران 1999.
 
جريمة عدوان
التدخل العسكري للناتو في يوغسلافيا السابقة كان جريمة عدوان عرفها القرار 3314 للجمعية العامة للأمم المتحدة في الدورة التاسعة والعشرين بأنها «استخدام للقوة المسلحة، من جانب دولة، ضد السيادة، أو الوحدة الإقليمية، أو الاستقلال السياسي، لدولة أخرى؛ أو بأي شكل آخر، لا يتفق مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة، سواء بشكل فردي أو جماعي ما لم يكن استخدام القوة العسكرية، يستند إلى أحكام ميثاق الأمم المتحدة».
بيدَ أن حلف الناتو اعتبر أن عملياته العسكرية على الاتحاد اليوغسلافي تستند إلى قراري مجلس الأمن 1160 و1199 واللذين صدرا تحت الفصل السابع مع ملاحظة أن القرار 1199 رأى أن الوضع في يوغسلافيا يُشكل تهديداً للأمن والسلم الدوليين، فضلاً عن أن السلطات اليوغسلافية لم تتخذ إجراءات جادة لتسوية الأزمة، لكن الأخطر من هذا وذاك هو أن الناتو أقر بأن الدافع الرئيسي لتدخله العسكري كان استحالة الحصول على قرار جديد من مجلس الأمن يسمح باستخدام القوة العسكرية مع يوغسلافيا بسبب معارضة روسيا، هذا الموقف دفع الأمين العام للأمم المتحدة حينها إلى انتقاد الأعمال العسكرية للحلف، وتأكيد ضرورة أن يظل مجلس الأمن المصدر الأول لتحديد مشروعية استخدام القوة العسكرية الذي يتطلب توافر شرطَين: الأول أن يرى مجلس الأمن أن هناك تهديداً للسلم والأمن الدوليَّين، والثاني قرار مباشر لاحق من المجلس يجيز استخدام القوة العسكرية.
 
القرار 2118: التزام مجلس الأمن بسيادة الدولة السورية
في سورية، القرار 2118- الصادر تحت الفصل السابع والمتعلق بالسلاح الكيماوي السوري وبالصراع الداخلي فيها- يؤكد التزام المجلس بسيادة الدولة السوريّة واستقلالها وسلامتها الإقليمية، ويؤكد أن استخدام السلاح الكيميائي في سورية يُشكل تهديداً للأمن والسلم الدوليين، ويدعو أطراف النزاع - الحكومة السورية ضمنا- إلى إيجاد حل سلمي له وفق بيان جينيف المؤرخ في 30 حزيران 2012، كما يعرف الجميع أن روسيا والصين لن تسمحا بتمرير قرار عن مجلس الأمن يسمح باستخدام القوة العسكرية ما لم يكن هناك تحقيق دقيق كفيل بتحديد من خرق القرار 2118 (خلافاً للتدخل التلقائي الذي طالب به الرئيس هولاند)، وعليه، فالسؤال المطروح اليوم هو التالي: وما إمكانية استنساخ التجربة اليوغسلافية في سورية؟
بداية لا بد من القول إن القرارات الصادرة عن مجلس الأمن تعكس توازن القوى الموجود على الساحة الدولية، ولا تقيم - في أغلبيتها- أدنى وزن لقيم العدالة والإنصاف وإن تقاطعت معها في مناسبات نادرة، كما أن القانون الدولي في العصر الأميركي بات ينتمي إلى فصيلة القانون -بوصفه نظاماً لإحقاق الحق- بالمقدار الذي تنتمي فيه القطط إلى فصيلة النمور، فالخراب الذي ألحقته واشنطن بالشرعية الدولية نتيجة شهوتها للهيمنة اخرج ميثاق الأمم المتحدة عن أهدافه، وبات إخضاع قانون القوة إلى قوة القانون أمراً لا يستطيع أكثر المتخصصين بالقانون الدولي تفاؤلاً أن يدعيه، من هذا المنطلق يبدو أن استنساخ تجربة كوسوفو في سورية مُستبعدا ما دامت دبلوماسية البوارج  بين موسكو وواشنطن مستمرة، فغياب هذه الدبلوماسية بعهد يلتسن السكير مرّغ جبهة روسيا في وحل كوسوفو، أما اليوم فيبدو أن روسيا القيصر بوتين باتت تتقن لغة دبلوماسية البوارج وبلكنة صينية أيضاً مستفيدة من قدرة الدولة السورية على حماية ركائزها من الانهيار.
دبلوماسية البوارج عطّلت إمكانية أن يُكتب القرار 2118 بحبر كوسوفو، وهي ستمهد الطريق لإعادة إنتاج عالم متعدد الأقطاب بعد أن تشكَّل العالم الثنائي القطب من رحم الدم والدمار في سورية، لا تصفقوا لهذا العالم بحلته الجديدة، فإلى أن يتم إنتاج عالم بقطب أحادي هو القانون ستبقى البشرية كتفاحة سقطت بين فكي ذئب.
 
دكتور في القانون العام - جامعة دمشق

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.