د.فيصل المقداد
د.فيصل المقداد

قال نائب وزير الخارجية والمغتربين الدكتور فيصل المقداد أن تعبير الجغرافيا السياسية قفز إلى مقدّم المصطلحات السياسية التي يستخدمها المتعاملون مع حقائق الأوضاع الراهنة على الصعيد العالمي وتطوراتها، حيث يفسّر البعض تعبير جيوبوليتك، الغربي أصلاً، على أنه علم السياسة الطبيعية، وذلك صحيح لكنه ليس كل شيء، وأن عدد كبير من القادة ووزراء الخارجية والمحللين السياسيين فسروا الكثير من الحوادث السياسية التي يشهدها عالمنا بكونها تعكس تأثير العوامل الجغرافية والاقتصادية والبشرية في سياسة الدولة الخارجية خاصةً. وهذا ينطبق على تحليل السياسة الخارجية لقوة عظمى مثل الولايات المتحدة الأميركية أو دول الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط أو في شرق آسيا وباقي أنحاء العالم.

وأشار  المقداد إلى أن من الطبيعي، ألاّ يعود المتابع الحالي لمفهوم الجغرافيا السياسية بنا إلى بدايات هذا المفهوم أو كيفية استخدام الفاشيين والنازيين له، خاصّةً أنّه يستخدم اليوم من قِبَل الكثير من المعادين للفاشية والنازية لوصف بعض التطورات التي يشهدها عالمنا. كما أنّ بعض من يستخدم هذا التعبير ما زال يضع في ذهنه كيف قادتْ المصالح الجغرافية والسياسية لبعض القوى إلى الكوارث التي حلّتْ بالعالم.

وحول الأزمة الأوكرنية يرى نائب وزير الخارجية أنه لدى اندلاع الأزمة الأوكرانية الأخيرة، أوضحتْ جميع الأطراف مواقفها، وقال مسؤولون سياسيون إنّها عودة من قِبَل الدول الغربية إلى الفهم الضيّق لمفهوم الجغرافيا السياسية، وعندما تحدّث البعض عمّا حلّ في الوطن العربي من دمار طوال السنوات الأربع الماضية، قال هؤلاء إنّ ما يحدث يتم أيضاً بفعل العامل الجغرافي السياسي.
 
وأضاف المقداد في مقال نشر اليوم في جريدة البناء اللبنانية إنّ الكارثة الحقيقية التي قاد إليها الفكر الغربي المتصهين، بل أستطيع وبثقة تامة القول الفكر المتخلّف والجاهل بحقائق المنطقة، هو أن تطلّع الغرب إلى التغيير، في حال سلّمنا أن التغيير مطلوب في المنطقة، هو ذهاب هؤلاء إلى العنوان الخطأ. فلو افترضنا أنّ تونس والقاهرة وطرابلس الغرب وصنعاء في حاجة إلى تغيير لتنسجم مع "التطلعات الحضارية" التي يبتغيها الغرب "لتحديث هذه المنطقة ورفع سويتها" كما ادعوا فإنّه كان عليها أن تتجه أوّلاً إلى أنحاء أخرى في المنطقة بما في ذلك بشكل خاص نحو إزالة الظلم الفادح والتاريخي الذي حل بالشعب الفلسطيني. فتصحيح هذا الخلل الدامي والجرح النازف في جسد المنطقة هو ما كان يحتاج إلى "الربيع أوّلاً" وبعد ذلك كان على هذا "الربيع العربي" أن ينطلق إلى أكثر دول المنطقة حاجة إليه لتغيير أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية البالية، وهي دول الخليج أولاً لتنسجم من حيث المبدأ وافتراضياً مع المعايير التي وضعتها الدول الغربية نفسها، في إطار شعورها بالتفوق العنصري على الشعوب الأخرى.

إلاَّ أنّ "الربيع العربي" الذي رفع راياته الذين لا يؤمنون إلاَّ بالقتل وسفك الدماء وتدمير كنوز الحضارات التي انطلقت من الشرق العربي بدعم غربي، انطلق مدمّراً منذ أيامه الأولى التي وإن قادتْ إلى بعض التفاؤل في البداية، إلاَّ أنّها انقلبتْ لاحقاً إلى أكبر كارثة حلّتْ بالعرب وقضاياهم وصورتهم وإنجازاتهم.

لكن هيهات أن يأتي "الربيع العربي" لخدمة كرامة العرب وحقوقهم، بل توجّه فوراً ووسط انتخابات أسموها زوراً "ديمقراطية" لم يفز فيها في تونس والمغرب وليبيا ومصر سوى "الإخوان المسلمين" ومن يدعمهم. هل كان ذلك "ربيعاً عربياً" أم "كارثة عربية"؟ هل يستطيع أيّاً كان في هذا العالم أن يقنعنا بأن تلك كانتْ إرادة الشعب العربي في تونس ومصر وليبيا وأنّ البديل المطروح أمامهم لم يكن إلاَّ "الإخوان المسلمين" فحسب ومن يلتف حولهم من المتطرفين؟!
 
وأكد المقداد أنه في آذار عام 2011، وفي خضم "الربيع العربي"، أمرّ مجلس الأمن القرار 1973 الذي يدعو إلى "وقف إطلاق النار ووضع حد للعنف والهجمات ضد المدنيين". واختار التحالف الثلاثي المؤلّف من فرنسا وإنكلترا والولايات المتحدة وأدواتهم العربية خرق القرار، ونجح هؤلاء في تحقيق هدفهم القاضي بتغيير النظام، في انتهاك فاضح للقرارات التي تدعو إلى التصرّف عكس ذلك. ونتيجةً ما حصل، تتنازع اليوم الميليشيات المتحاربة التي أتى بها الغرب لقيادة ليبيا، فيما أطلق عنان الإرهاب «الجهادي» في معظم أفريقيا. ونتيجةً "لنجاح الدول الغربية الباهر" في ليبيا، نراها اليوم وقد سحبتْ جميع سفرائها وأغلقتْ سفاراتها كافة في ليبيا. إنّ ما يُبنى على الباطل هو باطل، وعلى من قام بغزو ليبيا الفاشل ودعم الإرهاب في سورية أن يعتذر للشعوب الأوروبية والعربية وأن يرحل!.

هؤلاء هم الفاشلون في حكومات الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وغيرهم، فهل يحاسبهم إعلامهم الذي كذبوا عليه ووظفوه لخدمة تضليلهم ونتائج غبائهم في أفضل الأحوال؟ هل سيحاسبهم شعبهم؟ نأمل ذلك، فالشعب لا يعطي بعضهم أكثر من عشرة في المائة في الاستطلاعات التي نقرأ عنها، وخاصّةً في فرنسا. ولو قبلنا بمنطق حسن النية أنّ هؤلاء فشلوا، وقد فشلوا حقّاً، فلماذا لا يعتذرون ويرحلون؟

 

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.