علي قاسم نقلاً عن جريدة الثورة

حوامل الإرهاب وقواعد ارتداده
حوامل الإرهاب وقواعد ارتداده

ينفتح المشهد الإقليمي على تداعيات تتسع دائرة ارتداداتها، نتيجة الانعطاف الحاد في المشهد الدولي والذي يسحب بالتدريج الألغام المزروعة أو في أقل تقدير يوقف فتيل انفجارها..

وما يؤرق دولاً ومشيخات لا شكّ بأنه يصيب مرتزقتها وأُجراءها بالرعب.‏

وفيما تميل الأطراف الإقليمية التي راهنت على التصعيد العسكري، والمتضررة من أي خطوات دبلوماسية نحو التباعد أو الافتراق في المواقف والتصعيد في حدة الاتهامات وصولاً إلى إعلان خطوط مواجهة سياسية وعسكرية، ونصب متاريس تتنوع في حدة سقوفها المتباينة والمتعارضة أحياناً، كانت أوراق المرتزقة تُفرش على طاولة المزادات السياسية والعسكرية.‏

الفارق أنّ تلك الأطراف لا تخفي سعيها المحموم من أجل توحيد جهودها لعرقلة الحل السياسي وخلق عقبات وعراقيل، فيما مرتزقتها على الأرض تتصارع من أجل انتزاع بقايا ما تركته السياسة من فتات يمكن أن يقتاتوا عليه لبعض الوقت، في صورة تعكس حجم الارتباك من جهة، وتقدم كشف حساب مسبق عن مصادر تبعيتها الخارجية، وحدود ومساحة مقدرة الأطراف الإقليمية في التأثير عليها من جهة ثانية.‏

في جردة أولية ثمة من يجزم أن من يموّل الإرهابيين لا يعني بالضرورة أنه يمتلك قرارهم، واحتضان التنظيمات الإرهابية أو تدريبها وتسهيل عبورها لا يقتضي حكماً ضمان السيطرة الدائمة عليها، بل في بعض معاييرها الخاصة واعتباراتها الفردية تجد تلك التنظيمات الإرهابية أنها تستطيع تجاوز الحاضنين الإقليميين بحكم الروابط المفتوحة مع الغرب.‏

لذلك نرى التصادم في الاتجاهات، والتعارض في انعكاسات المشهد الدولي على المرتزقة والإرهابيين بحيث لا يتقاطع تماماً مع ارتدادته على الأطراف الممولة لهم والحاضنة، رغم المتداول بأن القرار الغربي مهما تكن اتجاهاته لا بد أن تلتزمه التنظيمات الإرهابية ورعاتها الإقليميين، ما دامت الحاجة الغربية قائمة على توظيفها المزدوج، وما يجري من تباين ليس سوى توزيع للأدوار بين الإرهابيين ورعاتهم، وهو في نهاية المطاف مهمة موكلة تحدد صلاحيتها ومساحتها وحدودها وفق معيار المصالح الغربية، وأن ما يجري يصب في خدمتها تكتيكياً واستراتيجياً، بدليل انها لم تمارس أي ضغط ولم نسمع كلمة واحدة أميركية ولا أوروبية تعترض على الكثير من المواقف التي اتخذتها مشيخات الخليج، ولم نر ما يشي أنها لا توافق على كل ما تقوم به تركيا، والأكثر من ذلك لم نجد الغرب أميركيا وإسرائيليا وأوروبيا يعلق على ما يجري من احتراب بين تلك التنظيمات.‏

المسألة ليست أحجية ولا هي لغز قد يتخيل البعض انه من الصعب فك رموزه، إنها ببساطة لعبة الغرب الكبرى التي تحتاج دائما إلى بعض الاستثناءات كي تؤكد القاعدة، ولا يجد ضيراً أن تحترب أدواته وتابعوه في المنطقة مع مرتزقتهم لبعض الوقت ما دام يخدم هدفه النهائي في الإبقاء على جميع الأوراق حاضرة، وتصلح للاستخدام وقت الحاجة أو عند الضرورة، ويمكن التلويح بها أو على الأقل بالظواهر الناتجة عن وجودها من قبيل الابتزاز وربما المتاجرة السياسية، وصولاً إلى التذرع هروباً من الحل السياسي.‏

هذا لا يعني أن القلق لا يتسرب إلى مفاصل تلك الاطراف ومرتزقتها، وأن الهواجس لا تصل إلى قاعدتها كما هي في قمتها، وأنها لا تتبرم مما يقرره الغربي دون العودة إليها، وقد تورمت الحالة لدى بعضهم، وتوهم أنه بمحاصصة الغرب في دعم الإرهاب قد أمن له موقعا ودورا لا يستطيع الغرب أن يتجاهل حضوره، وأنه أحكم ربط ذلك الدور بالمصالح الغربية، دون أن يعي أن تلك المصالح لا تثبت على حال، وليس هنالك من ضامن لها، وهي التي لا تتردد بالتضحية حتى بأقرب ادواتها وأكثرهم خدمة لها، حين تضطر للمفاضلة.‏

قالوا إذا أصابت أميركا نزلة برد فإن أوروبا تغرق في الزكام، فيما تدخل أدواتها الإقليمية في غيبوبة سياسية، فكيف يكون الأمر وأميركا تواجه خليطاً من ذلك كله، وهي تخطو نحو التخلي قسرياً عن أحاديتها القطبية، وما يحصل ليس اكثر من قصف تمهيدي لحوامل الإرهاب التي تصطدم اليوم بارتداداته ولا تستطيع أن تحكم السيطرة على قواعده، فيقف ممولو الإرهاب وحاضنوه مرتبكين وهم يشعرون بأن البساط يسحب من تحت أقدامهم، فيما تنظيمات الإرهاب تتشعب في شبكة ارتباطاتها بالغرب واستخباراته، ولديها ما يكفي من الأسباب لترتد على مموليها وحاضنيها حين يقرر الغرب الاستغناء عن خدماتهم.‏

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.