د. عصام التكروري نقلاً عن جريدة الوطن السورية

هولاند «الرهيب»: الديك في ظل العربة
هولاند «الرهيب»: الديك في ظل العربة
عشية مقتل القذافي أجرت القناة الثانية الفرنسية لقاءً مع المفكر الصهيوني برنار هنري ليفي ووزير الدفاع الفرنسي جيرار لونغيه، اللافت في هذا اللقاء كان الدقة البالغة التي شرح فيها ليفي تصفية القذافي، مقابل حالة الارتباك وتضارب المعلومات المتعلقة بذات الحادثة والتي أوردها وزير الدفاع الفرنسي والذي ـ لشدة شعوره بالحرج ـ غادر الأستوديو، في هذا اللقاء أعلن ليفي أنه لن يصوّت لساركوزي في انتخابات 2012 الرئاسية، بل سيصوّت لمصلحة فرنسوا هولاند المرشح الاشتراكي بكل ما يعنيه ذلك من حرمان ساركوزي من أصوات الناخب اليهودي المنضوي تحت لواء ما يُعرف بالمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية الفرنسية (الكريف)، وذلك على الرغم من أن ساركوزي جعل من ليفي وزير خارجيته الخفي بكل ما جلبه ذلك عليه من انتقادات لخصها كتاب (ساركوزي تحت سيطرة برنار هنري ليفي) لرولان دوما وجاك فيرجيس اللذين تساءلا « كيف يُمكن لمفكر وضيع مثل برنار هنري ليفي أن يلعب دوراً مهماً في الجمهورية الفرنسية؟ ، وأكدا «أن الدور الذي يلعبه ليفي لدى ساركوزي هو دور صاحب القرار الأمر الذي يجعل من فرنسا جمهورية موز».
دور فرنسا/ ساركوزي في إسقاط ليبيا شكّل خروجاً عن ثوابت السياسة الخارجية الفرنسية التي ترى في أي تحرك عسكري ضد دول ذات سيادة من خارج إطار الشرعية الدولية إنما يُشكل جريمة عدوان، هذا الموقف الذي شكّل أساسا للرفض الفرنسي لغزو العراق عام 2003 بدا وكأنه أصبح من الماضي لحظة قرر ساركوزي التدخل العسكري المباشر في ليبيا من خلال الالتفاف على قرار مجلس الأمن 1973 والذي نص حصرا على فرض منطقة حظر جوي.
أدرك مريدو التدخل العسكري المباشر في سورية أن الخروج الصارخ عن إرث ديغول في المسألة الليبية قوض لحد كبير الدعم الشعبي لساركوزي وحزبه بشكل يصعب معه الإقدام على تدخل مماثل في سورية باستخدام ذات الأداة، من هنا برز هولاند ـ المعروف بتعطشه للسلطة وبإنعدام خبرته في مجال السياسة الخارجية ـ كأفضل أداة يمكن استخدامها لتنفيذ مشروع إسقاط سورية عسكرياً، هذا المشروع - وبحسب ما ذكرت صحيفة لوبوان الفرنسية في 21 أيلول الجاري- تم التخطيط له قبل ستة أشهر من رحيل ساركوزي بالاتفاق مع واشنطن ولندن وذلك لتحقيق هدف أساسي وهو نزع السلاح الكيميائي السوري لتعزيز حماية «إسرائيل».
الثابت اليوم هو أن مقاربة الملف السوري على الطريقة الليبية لم يُطح فقط بما تبقى من إرث ديغول بخصوص احترام القانون الدولي، بل أطاح أيضاً بشعبية هولاند التي وصلت إلى مستوى لم يسبق أن عرفه رئيس فرنسي على الإطلاق في تاريخ الجمهورية الخامسة الفرنسية، إذ وبحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة ايفوب في 21 أيلول الجاري، وصل انعدام شعبية هولاند لمستوى 23 %، هذا التهاوي عزاه المحللون الفرنسيون إلى أمرين: الأول اقتصادي حيث أن هولاند عجز ـ وبشكل فضائحي ـ عن تنفيذ أي من تعهداته الانتخابية الخمسة والمتمثلة بخفض البطالة وزيادة النمو وتخفيض العجز وتقليص الضرائب وتقوية أوروبا وذلك على الرغم من كل الأموال التي ضخّها القطريون ـ وما زالوا ـ في الاقتصاد الفرنسي لإنقاذ حليفهم في مشروع إسقاط سورية، أموال وهبات جعلت من العلاقة ما بين قطر وفرنسا أشبه بـ«زواج المسيَّار».
أما الأمر الثاني - بحسب استطلاع الرأي - فقد كان إخفاق هولاند الذريع في التعاطي مع الأزمة السورية «فالفرنسيون بات لديهم شعور بأن فرنسا قد تحولت لمجرد تابعة للولايات المتحدة، فهم لا يستطيعون استيعاب الأسباب التي تجعل هولاند متمسكا بشدة بالخيار العسكري لإسقاط حكومة الرئيس بشار الأسد... مع العلم أن خيارا كهذا لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأوضاع في منطقة باتت عبارة عن برميل بارود».
بتقديري، إخفاق هولاند في الملف السياسي السوري والملف الاقتصادي الفرنسي هو الذي دفع 63% من طبقة الكوادر والمتخصصين في فرنسا إلى التشكيك في قدرة هولاند على تولي مهامه كرئيس للدولة (استطلاع لمعهد «سي إس إيه»)، ناهيك عن عجز هولاند عن تجاوز عقدة النقص تجاه سلفه ساركوزي وتحديدا حيال خبرة الأخير بارتجال الخطب المتماسكة، وبسبك المُصطلحات، خبرة اكتسبها ساركوزي من خلال حياته السياسية الغنية وترقيه في المناصب الإدارية والحكومية والتي يحاول هولاند التعويض عنها من خلال التلطي وراء صوت جهوري مُفتعل يضفي على تصريحاته بُعداً مسرحياً يثير الشفقة لخلوه من أي دلالة سياسية، أما فيما يتعلق بسبك المصطلحات لدى هولاند فيبدو الأمر كارثيا إذ وبحسب صحيفة « لوكانار انشينيه» استطاع هولاند أن يسبك مصطلحا خاصا به عندما عرّف «المستقبل بأنه قادم الأيام».
في الحقيقة لا يكاد يمر شهر إلا ويرتكب هولاند هفوة تعكس نوعاً من الزهايمر السياسي لديه، ففي آب الماضي - وأثناء كلمته في قمة دول البلقان- اقترح هولاند إطلاق اسم مقدونيا على إحدى جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي السابق والتي تحمل هذا الاسم منذ عام 1991، أما في تموز الماضي ـ وأثناء زيارته لتونس ـ فقد أعلن « أن فرنسا سوف تتصرف حيال ما يجري في تونس» على الرغم من أن السؤال كان حول موقف فرنسا من الأوضاع في مصر، وفي حزيران الماضي وأثناء زيارة رسمية لليابان صرّح بحضور رئيس الوزراء الياباني بأن «الحكومة الفرنسية قد قدمت إلى الحكومة الصينية تعازيها الحارة بالضحايا اليابانيين الذين سقطوا في الهجوم الإرهابي على حقل غاز في الجزائر»، أما انحناؤه المبالغ فيه لدى لقائه الإمبراطور الياباني فقد أثار اشمئزاز أغلبية الفرنسيين.
ربما كانت هفوات هولاند تلك محطّ سخرية الكثيرين، ولكن أن يصرّح أنه سيرفض أي فرض قرار بشأن الكيميائي السوري لا يتم وضعه تحت سلطة الفصل السابع من دون أي مقدمات موضوعية تسمح بإستصدار هكذا قرار فتصريح كهذا يرقى إلى مستوى جريمة إبادة جماعية لأنه يهدد حياة ما لا يقل عن خمسمئة مليون متابع لكواليس ما جرى في قمة بطرسبورغ بالموت من الضحك، فهولاند الرهيب لم ينتبه إلى أن التفاهم الأميركي - الروسي- السوري حول الكيميائي قد تجاوزه، ولا يريد أن يستوعب أن فرنسا مذ دعمت الإرهاب في سورية حكمت على نفسها بالخروج من المعادلة الإقليمية بصفتها ظهيراً للأقليات، وبالخروج من المعادلة الدولية بوصفها صاحبة موقف لا يتماهى مع الموقف الأميركي ولا يعلن قطيعة مطلقة معه، هولاند اليوم ديك فرنسي بائس يسير بظل العربة الأميركية، انعدام خبرته السياسية تجعله يعتقد أن ظل العربة ظلّه.

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.