ايلي الفرزلي

هل تتولى الرياض وطهران إدارة المرحلة الانتقالية في لبنان؟
هل تتولى الرياض وطهران إدارة المرحلة الانتقالية في لبنان؟

لم يجتمع باراك أوباما وحسن روحاني في صورة واحدة معا، غير أن اللقاء بينهما قد حصل فعليا، خاصة بعد الاتصال الأول من نوعه بين رئيسي ايران والولايات المتحدة منذ تاريخ انتصار ثورة الخميني قبل 34 عاما. قبل ذلك بأيام، انكفأ الأميركيون عن خيار الحرب ضد سوريا، بعدما تسلموا من الروس «هديتهم الكيميائية» وبأكثر مما كانوا يتوقعون.. وها هم الآن، يتجهون إلى الانكفاء عن تهديد إيران، بعدما تحول أوباما شخصياً الى ناطق رسمي باسم مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، مذكراً بأن الأخير حرّم السلاح النووي.
وما بين التسوية الكيميائية في سوريا، وبدء المفاوضات للتوصل الى تسوية نووية مع ايران، ثمة خارطة سياسية جديدة بدأت ترتسم معالمها في المنطقة لا بل في جميع أنحاء «العالم الجديد». 
ومع كل جولة تفاوضية يعقدها مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، صار وزير خارجية أميركا جون كيري يبحث عن نظيريه الفرنسي والانكليزي، لإقناعهما بأن بلديهما سيكونان جزءا من أي تسويات دولية. وبطبيعة الحال، هذان الوزيران وغيرهما لا يصدقون، لكن يلتزمون الواقعية التي تشكل اعترافا ضمنيا من قبلهم بأن كل خبرتهم في مناطق النزاع في الشرقين الأوسط والأدنى، التي خبروها جيدا واستعمروها طويلا، صارت خبرة منتهية الصلاحية.
ازاء هذه اللوحة المتحركة، وجد السياديون اللبنانيون أنفسهم في حالة انكفاء وصدمة. إما بلعوا لسانهم، أو إن قالوا شيئاً، فيكون مجرد تمنيات أو شعارات فارغة. 
في لبنان، لك أن تختار: إما معاندة التسويات فتذهب «فرق عملة» كما حصل مع ميشال عون بعد الطائف. وإما أن تغلب الروح الوطنية، فتستبق التسويات الاقليمية والدولية ولو كانت في بدايتها، فتقرر ملاقاتها بتسويات وتفاهمات داخلية، على الطريقة الجنبلاطية الدائمة. وإما أن تجلس على رصيف التسويات منتظراً الاشارة الآتية من ناحية الخليج بضفتيه العربية والفارسية.. وهذا هو حال معظم طبقتنا السياسية في يومنا هذا.
الكل في لبنان يجاهر بالحقيقة الحلوة أو المرة على حد سواء. يُسأل نواب الأمة عن الوضع الداخلي، فيحيلون سائلهم على اللقاء المنتظر بين ملك السعودية عبد الله والرئيس الايراني الشيخ حسن روحاني، أو على الفصول الآتية من الحوار الذي بدأ بين واشنطن وطهران.
لقد شلّت الأزمة السورية، المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات، «أي قدرة متبقية لدى اللبنانيين للتأثير في مصيرهم». صارت كل كلمة يقولها أي مسؤول مجرد صدى. «تتراكم المبادرات والصيغ الحكومية حفظاً لماء الوجه وكي لا يقال ان البلد سلم مصيره بالكامل للخارج»، يقول النائب المخضرم في تيار «المستقبل».
وإلى حين انعقاد التسويات الكبرى والصغرى في المنطقة، لا بد من إدارة المرحلة الانتقالية في لبنان بأقل الخسائر الممكنة. هنا يتم التعويل على اللقاء السعودي ـ الإيراني، الذي لا بد من أن يكون لبنان على جدول أعماله. كل طرف سيدخل لقاء عيد الأضحى حاملاً بيده «خريطة انتشاره» من سوريا إلى اليمن، مروراً بالعراق ولبنان والبحرين.. ثم يبدأ تفاوض بين طهران والرياض سيكون صعبا على الأرجح، يردد النائب نفسه.
وبعكس ما يتردد، لا يربط السياسي المخضرم نفسه بين الانفراج الأميركي الإيراني والانفتاح السعودي على روحاني. يقول إن السعوديين «قرروا أن يحاوروا طهران بمعزل عن حليفهم الأميركي، معتمدين على معطيات عدة عنوانها أولوية مصالحهم وأمنهم القومي. أول هذه المعطيات عدم قدرة المملكة على تحمل خيبات إضافية جراء السياسة الأميركية التي خذلتها في أماكن عدة كالعراق والبحرين ومصر وسوريا. 
ثاني المعطيات يأتي من ناحية بلاد فارس. بعد أن تعثرت العلاقة السعودية الإيرانية خاصة في عهد أحمدي نجاد، يدرك السعوديون أن ظروف التسوية قد تكون أكثر نضجاً في زمن روحاني. وإذا كان النظام الإيراني قد كبّل الإصلاحي محمد خاتمي، قبل نجاد، بخطوط حمراء لم يكن مسموحا له أن يتخطاها، فإن الأمور مع روحاني الذي هزم 5 مرشحين محافظين تبدو مختلفة جذرياً، فالرئيس الإيراني المنتخب قبل ثلاثة أشهر، يملك فترة سماح أطلقت يده خلالها للتفاوض على كل العناوين، في سبيل التوصل في النهاية إلى فك العقوبات الاقتصادية المؤلمة المفروضة على بلده وشعبه.
هذا لا يعني أن شخصية روحاني، الذي سيسجل التاريخ له أنه أول رئيس إيراني يتواصل معه رئيس أميركي هاتفياً منذ الثورة، لا تؤدي دوراً رئيسياً في زيادة نسبة التفاؤل. استعانته بوزير خارجية كمحمد جواد ظريف الخبير في السياسة الأميركية والدولية، وجعل الملف النووي من اختصاص وزارة الخارجية بدلا من مجلس الأمن القومي، أعطيا «أعداءه» إشارة إيجابية لا بل جدية، لم تتردد الدول الأوروبية، إضافة إلى أميركا، في تلقفها والبناء عليها. 
السعوديون، من جهتهم، لا ينسون أن روحاني هو مرشح هاشمي رفسنجاني صديق الملك السعودي الذي استطاع أن يفتح صفحة جديدة مع المملكة في عهده، بعدما كانت العلاقات بين البلدين مقطوعة منذ العام 1987، قبل أن تتدهور مجددا في عهد نجاد الذي يقول خصومه إنه حقق رقما قياسيا في رفع منسوب الخطوط المقطوعة بين بلده والعديد من عواصم المنطقة والعالم.
في كل الأحوال، لا يرى النائب المخضرم نفسه، أي سبب لعدم مبادرة السعودية الى محاولة وصل ما انقطع مع النظام الإيراني، وهي التي لم تتردد في التفاوض مع نجاد، علما بأن ثمة وقائع تشي بعكس ذلك بدليل ما أوردته أمس، صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن حصول تقارب بين إسرائيل ودول خليجية عدة أبرزها السعودية، على خلفية الانفراج الذي تشهده العلاقات بين واشنطن وطهران والخشية من أن يتم على حسابها. وذكرت أن هذا الموضوع كان مدار لقاءات مكثفة عقدها السفير السعودي في واشنطن عادل جبير مع مسؤولين أميركيين وكذلك مدار لقاءات خليجية اسرائيلية بعيدة عن الأنظار في الأيام الأخيرة.
أكثر من ذلك، ثمة من يتحدث عن دور استثنائي للوبي اليهودي في الولايات المتحدة و«اللوبي السعودي» لوضع العصي في دواليب العلاقات الأميركية ـ الايرانية.
أما في الضفة الإيرانية، فإن النظام في طهران متيقن من أن تحسين علاقته بالدول العربية يتطلب فتح البوابة السعودية أولا، ذلك أنه لم يعد بالإمكان الدخول إلى العالم العربي من احدى البوابتين السورية أو المصرية، اللتين تشهدان ظروفاً استثنائية تعطل دور كل منهما، على حد تعبير السياسي نفسه.
بمجرد أن ازدادت مؤشرات التوصل إلى تسوية في المنطقة، ازداد التفاؤل اللبناني. لا يشكك أحد في أن أولى ثمار أي اتفاق سعودي إيراني ستقطف في لبنان. لا يحكى هنا عن حل شامل، إنما عن تسهيل الأمور في الفترة الانتقالية. أما الحديث عن رسم خريطة سياسية جديدة للبلد، فذلك يتطلب انتظار تبلور الحل السوري، حيث سيكون لبنان جزءاً من الخريطة الجديدة التي سترسم بأصابع أميركية روسية.
وإلى ذلك الحين، ما يعول عليه في التقارب السعودي الإيراني هو تزييت مفاصل البلد الصدئة، والمدخل الى ذلك يكون بعودة سعد الحريري الى بيروت وتشكيل حكومة توافقية جديدة واعادة لم شمل المتحاورين، ما دام التفاهم على القضايا الأخرى وأبرزها رئاسة الجمهورية لم ينضج بعد، من دون اغفال شهية البعض المفتوحة، سواء على «عقد اجتماعي جديد» أو «صيغة سياسية جديدة».

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.