إيلي شلهوب - نقلاً عن جريدة الأخبار

الأسد: لدينا ما يعمي بصر إسرائيل في لــحظات
الأسد: لدينا ما يعمي بصر إسرائيل في لــحظات

كما أن «روما من فوق تختلف عن روما من تحت»، كما يقول المثل، كذلك دمشق تختلف كثيراً من قصر الشعب عمّا تبدو عليه من على شاشات الفضائيات. عاصمة بلاد الشام تخوض صراعات في ملعب الكبار، تملك ما هو أكثر أهمية من السلاح الكيميائي، ومعه تعهد روسي بإرسال قوات إلى الأراضي السورية لصدّ أي عدوان يمكن أن تتعرض له

 

زوار العاصمة السورية يعودون منها بانطباعات مختلفة تماماً عما يقال وينشر ويبث. وزوار الرئيس السوري بشار الاسد، ربما يعكسون الوجه الأقرب الى أقدم مدن التاريخ. مقرّه في قصر الشعب ينبض حياة وحيوية كشوارع المدينة. في أروقته ومحيطه حركة لا تنقطع. وفود ومبعوثون ولقاءات متواصلة. هناك لا يزال الأسد يمارس عمله اليومي في قلب المدينة العزيزة على قلبه، بطريقة تصدم الزائر الذي يتعامل مع دمشق كأنها عاصمة في حالة حرب... عالمية.
البسمة لا تفارق وجهه. مرتاح ومطمئن ومبادر. لديه أجوبة عن الأسئلة الكثيرة. يتعامل مع الاستراتيجيات من دون أن يهمل أدق التفاصيل. ومن هذه وتلك يستخلص معادلات. تقييمه أن «الوضع اليوم فوق الممتاز». ودليله على ذلك أنهم «حاولوا في البداية أن يظهروا المعركة على أنها تدور بين الطائفة السنيّة في سوريا وبين مجموعة من الأقليات ادّعوا أنها تهيمن على البلد. استطعنا من خلال الادارة والصبر والتحمل والمراهنة على الشعب أن نجهض هذه المعادلة. في حالتنا اليوم، يحاط الرئيس والنظام بأكثرية شعبية اكتشفت زيف الإسلام الاميركي الذي يروَّج له. والحديث ليس فقط عن قاعدة جماهيرية بل عن قاعدة مشايخية. بات واضحاً للعالم كله أنهم هم مجرد أقلية وأجانب، ونحن سوريا وشعبها. ليس لديهم، ومعهم مشغّلوهم، مشروع ولا رؤية. هم في موقع الدفاع ونحن في موقع الهجوم، وكل ما يفعلونه عبارة عن انتقال من موقع إلى آخر».
وعن تقديره للخطوات المقبلة من قبل خصوم سوريا، يقول الأسد لزواره «إنهم متوتّرون. الفشل الذريع الذي منيوا به نتيجة الإرباك السياسي والدبلوماسي الذي وضعناهم فيه، يمكن أن يدفع بهم إلى أن يتحركوا بطريقة غير عقلانية، بهستيريا. لذلك، لا تستغربوا تصعيداً دبلوماسياً وسياسياً وأمنياً، لكنه سيكون غير واقعي، بمعنى ليس أكثر من فقاعة في الهواء، قنابل إعلامية. سيكبّرون الحجر في محاولة لاستعادة المبادرة». مبادرة يبدو أن هناك اقتناعاً عاماً بأنها ستكون بالمعنى العسكري بعيدة عن دمشق، «المحصنة بثلاثة أطواق من الحماية»، من دون استبعاد أن تتعرض لعمليات أمنية، على شاكلة تفجيرات.

يمكننا أن نعمي إسرائيل في لحظات

يظهر جلياً كم الأسد منتش بالاتفاق الروسي الأميركي حول الكيميائي السوري. «لدينا ألف طن من الكيميائي يشكلون أصلاً عبئاً علينا. التخلص منها يكلف أموالاً طائلة ويستغرق سنوات، ويطرح تحديات بيئية ومشكلات لا بد من حلها. فليأتوا ويأخذوها». ويضيف: «الكيميائي ليس هدفهم ولم يكن. هم كانوا يريدون تغيير موازين القوى وحماية إسرائيل. نحن قلبنا الطاولة عليهم ورمينا الكرة في ملعبهم، فأحرجوا أمام الرأي العام الاميركي والأوروبي، بل داخل الإدارة الأميركية نفسها».
لكن ألا تُعدّ خسارة السلاح الكيميائي خسارة استراتيجية لسوريا؟ يجيب الأسد زواره «أصلاً صنعنا الكيميائي في الثمانينيات كسلاح ردع في مواجهة السلاح النووي الإسرائيلي. الآن لم يعد سلاحاً رادعاً. لدينا اليوم أسلحة ردع أكثر أهمية وأكثر تطوراً حيال إسرائيل التي يمكننا أن نعمي بصرها في لحظات».

الدبابات السورية بلغت حدود «الأطلسي»

ولكن هل قررت سوريا ببساطة التخلي عن ترسانتها الكيميائية تلك، بمعية الروس، من دون مقابل؟ طبعاً لا. لكن لهذه القصة حكاية أكبر من مجرد الاتفاق. تبدأ، بحسب الرئيس الأسد، من تاريخ تعليق وزيرة الخارجية الاميركية السابقة هيلاري كلينتون على دخول دبابات الجيش السوري جسر الشغور. ويضيف: «قالت كلينتون إن الدبابات السورية بلغت حدود الأطلسي ويجب وقفها». جملة كانت كافية ليفهم الروس أن «معركتهم في سوريا هي معركة مع حلف شمالي الأطلسي وأن دفاعهم عن دمشق يعني دفاعهم عن موسكو».
يشير الرئيس السوري الى «مستوى غير مسبوق» من التعاون والتنسيق مع روسيا. وهو مهتم جداً بموقع سوريا ضمن رحلة روسيا الى استعادة وهجها العالمي. بالنسبة إلى الرئيس السوري كان المؤشر في قمة العشرين التي عقدت أخيراً في سانت بطرسبورغ: «دخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى القمة معزولاً، لكنه خرج منها مبادراً. وقد ساعدناه على أن يضعف موقع الرئيس الاميركي باراك أوباما، الذي لم يكن أصلاً يريد شن الضربة على سوريا، كان متردداً ومتهيّباً وينتظر من يجد له مخرجاً».
في رأي الأسد، إن أوباما «شخص متردد، متخبط. وهو أضعف وأعجز عن أن يشنّ عدواناً على سوريا. لم يخسر في مقابلنا فقط، بل خسر في عقر داره، حيث فقد القدرة على المناورة في معادلة التوازن الأميركي الداخلية».

جنود روس إلى سوريا

عودة إلى السؤال المركزي. هل قدم الروس ضمانات؟ يؤكد الأسد لزواره أن «الروس قاموا، ولا يزالون، بواجبهم على أكمل وجه. لم يقصّروا معنا. لدينا تعهدات روسية كاملة بأن القوات الروسية ستدخل بقوة في أي حرب تُشن ضد سوريا». لا ينتظر كثيراً قبل أن يلبي نظرة الحشرية في عيون سائليه بجواب واضح ولافت: «القوات الروسية ستنزل الأرض، إلى الميدان، ستقاتل من على الأرض السورية».
وعن التسليح الروسي لسوريا، يقول الأسد: «بمجرد أن رمينا ورقة الكيميائي في قمة الـ20، ارتفعت وتيرة ضخ السلاح كمّاً ونوعاً». كانت لافتة إشارته إلى أن 200 جندي روسي «غير مسلحين» سيصلون قريباً إلى سوريا لوضع أكاليل من الورد على ضريح الرئيس الراحل حافظ الأسد.

نصرالله... سيد الوفاء

وماذا بشأن إيران وحزب الله؟ «نحن مطمئنون الى أن معركتنا نحن وحلفائنا هي معركة جبهة المقاومة مجتمعة. ولا سمح الله لو تأذّت دمشق لكان حزب الله وطهران الهدف التالي للعدوان»، يقول الأسد، قبل أن يضيف «أنا مطمئن إلى أن سيد الوفاء (في إشارة إلى السيد حسن نصرالله) قادر على احتواء أي تداعيات لأي عدوان على سوريا... كنا متأكدين من أنهم لن يجرؤوا عليه».
ولا يحتاج الأسد الى من يذكّره بموقع العدو الاسرائيلي في استراتيجية سوريا. يقول إن «إسرائيل لم تعد كما كانت. مستوى الوهن الذي بلغته أفقدها كل مبادرة وجرأة. صارت تقاتل بأيدي الآخرين. تحاول استدراج الولايات المتحدة إلى حرب في المنطقة، وتستخدم «جماعة الإسلام الأميركي» من تكفيريين وغيرهم لمحاربتنا. وهؤلاء هم العدو المباشر لسوريا في الوقت الراهن».
الأسد مرتاح إلى الموقف العراقي، و«متفائل جداً بأوضاع مصر. ما حصل هناك نتيجة لصمود محور المقاومة». وهو لا يثق بقيادة السعودية التي «كسرت كل المحرمات». «لا يأمل منها خيراً، لكنّ هناك أصواتاً خليجية فاعلة يمكن مع الزمن أن تتفهم الوضع السوري».
كان لافتاً تعليق الرئيس السوري على دور أوروبا. يكشف أن «الوفود الأوروبية تتزاحم علينا، استخبارية وغير استخبارية، الكل يريد إعادة فتح القنوات».

اترك تعليق: التعليقات تمثل أصحابها ولا تمثل `هنا سورية` بالضرورة.